يؤكد كتاب «أنطولوجيا الشعر السوري»، لمؤلفه الدكتور سعد الدين كليب، أنّ حركة الكلاسيكية المحدثة التي تشكلت في دمشق تختلف عن حركة التنوير الشعرية، بميلها العام إلى المحافظة بمختلف المعاني اللغوية والشعرية والجمالية والثقافية والأخلاقية..

وكان لها ممثلون كبار، مثل: محمد البزم وخير الدين الزركلي وخليل مردم بك وشفيق جبري، حيث اعتنى هؤلاء بالعودة إلى التراث الشعري العربي ومحاكاته، في المقام الأوّل والأخير.

وتميّزت هذه الكلاسيكية بتركيزها الشديد على فن الشعر على الطريقة القديمة، فلم تول أيّ اهتمام للفنون أو الأجناس الأدبية الأخرى..

وذلك في بداياتها، إذ أنتجَ شعراء هذه المرحلة كثيراً من النصوص التي تتمثل الشعرية الكلاسيكية القديمة، على نحو جمالي لافت وأسلوبية فنية متقنة، وشملت تلك المحاكاة مجمل جوانب النصّ الشعري، من لغوية وإيقاعية وبلاغية وقيمية جمالية، وأعراض شعرية متعدّدة، إضافة إلى وحدة البيت، وموقف الشاعر من العالم.

أسهمت الكلاسيكية في إعادة الثقة إلى الشعرية العربية، ودور الشعراء في الحياة الاجتماعية العامّة وتعزيز الثقة باللغة العربية، وكان لها دور مهم في بلورة النموذج البطولي الوطني، وصيغ أساساً من قيم النبالة العربية، وهي (الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة).

وهذا لا ينفي حضور نموذج «الفحل» في الكثير من القصائد، ولا سيما القصائد الوجدانية أو الوصفية، وهذا النموذج اشتد حضوره عند أبي ريشة، ثم استعلى في شعر نزار قباني ووجيه البارودي.

ارتفعت وتيرة الوجدانية واهتزت قلعة الكلاسيكية المحدثة، تارة عبر الخطاب القيمي وتارة أخرى عبر التراسل والترميز، مما كان يسمح لتيار التجديد الرومانتيكي بالإعلان عن حضوره بقوة، اعتباراً من الثلاثينيات من القرن الـ20، ولكن من دون أن تسقط القلعة، أو تخلو من «الفرسان» الشعراء.

بدأت أصوات التجديد الرومانتيكي تتعالى، ومثل عبد الناصر صوتها الأبكر والأجهر وظهر بعد ذلك ثلة من الشعراء، من مثل أنور العطار ونديم محمد ووصفي القرنفلي وعبد الباسط الصوفي. وأصبح لهم من الحضور ما لا يمكن تجاوزه، وراح كل من النموذج المعذب والمتمرد يستعليان في فضاء النص الشعري. ورافق ذلك تحولات في الخطاب السياسي والوطني. أضف إلى ذلك مفهوم الحرية وانعكاساته العديدة.

لم تنفرد الرومانتيكية بالمشهد الشعري السوري وحدها، لم تدم أكثر من عقدين من الزمن أو لم تكن سوى مخاض جمالي لولادة الحداثة الشعرية، لكن تأثيرها كان من القوّة والفاعلية على نحو لم يكن ينجو منه شاعر سوري على مختلف المستويات. وستشهد الستينيات من القرن الماضي، ارتفاعاً كبيراً في وتيرة الحداثة الشعرية، وسترتفع وتيرة التجريب الشعري..

وسيشتد الميل إلى القصيدة الكلية والدرامية والملحمية. وكذلك القصيدة اليومية «الشفوية»، وبدا أنّ حركة الشعر راحت تسعى إلى التعبير عن مختلف الحاجات الجمالية من غنائية ودرامية وسرديّة، وأصبح التجريب أساساً في التجربة الشعرية، تجريب في اللغة والصورة والإيقاع، تجريب في التمثيل والتخييل، تجريب في الأسلوب والشكل العام للنص الشعري.

وظهر ذلك في شعر التفعيلة وقصيدة النثر على السواء، لدى عدد كبير من الشعراء، مثل: أدونيس ومحمد الماغوط ونذير العظمة وعلي الجندي ومحمد عمران وممدوح عدوان... الخ.

تنويع وتوسيع

يخلص الكتاب إلى أنه يمكن القول إن أخطر حركة شعرية هي تلك التي ظهرت في الستينيات من القرن الـ20، واستمرت حتى كتابة هذه السطور، ولا شك في أن هذا لا ينفي أهمية ما جاءت به الأجيال الشعرية اللاحقة، ولكن ما جاءت به لا يعدو أن يكون تنويعاً أو توسيعاً أو تعميقاً لهذا المستوى أو ذاك من مستويات الحداثة الشعرية..

وهذا يعني أنّ أطروحات الحداثة الكلية لا تزال لها تلك الشرعية الاجتماعية والثقافية، وهذا يعني أنّ لها تحولاتها المرحلية التي تؤكد حيوية النزعة والتجربة فيها.

المؤلف في سطور

د. سعد الدين كليب. كاتب وباحث سوري. من مواليد مدينة حماة السورية عام 1957. حصل على الدكتوراه عام 1989، أستاذ الأدب الحديث في جامعة حلب. شغل منصب رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حلب بين عامي 2004 و 2008. وهو شاعر وناقد وباحث جمالي، أصدر عددا من الكتب، منها: وعي الحداثة، البنية الجمالية في الفكر العربي، النقد الأدبي الحديث، الحركة الأدبية في بلاد الشام.