يُحيط كتاب «شلبية إبراهيم»، الذي أسهمت في تأليفه مجموعة من الفنانين والكتاب، بتجربة هذه الفنانة التشكيليّة المصريّة - السوريّة التي حافظت في فنها على تلقائيّة نادرة..

رغم أنها تنقلت برفقة زوجها الفنان التشكيلي السوري (نذير نبعة) بين العديد من الدول والبيئات، وشهدت معارض وحوارات عديدة. اشتغلت على تقانات لونيّة مختلفة، لكنها رغم ذلك، ظل فنها صادقاً وعفوياً شديد البراءة، ينسف جبلاً من أنقاض ليكشف عن أرض خضراء وأجساد حيّة بشريّة مستسلمة لفرح أصيل، ينبثق من صراخ طويل تطلقه الدماء الحارة (بحسب زكريا تامر) الذي يُضيف ..

مؤكداً: لم تتعلم شلبية الرسم في مدرسة، ولذا فهي الفنانة الأكثر حريّة. إنها ترسم بمنأى عن التكلف والرياء والحياء الكاذب، خاضعةً لصوت داخلي لا يُقاوم، يرغب في التعبير عن موقفه في لعبة الحياة على سطح الأرض.

أما مروان قصاب باشي، فيرى أن شلبية ليست فنانة ثقافة واحتمالات قدر ما هي ابنة النيل ووريثته، تحمل يقظة الحلم وحلم اليقظة لتعطي يدها على الورق قصص (المنوف) وسير النيل وأساطيره منذ آلاف السنين لوناً وأشكالاً. ويُضيف: شاهدت شلبية خلال ربع قرنٍ وهي تُطعم طير اليمام على شرفة دارها عند العصر، وهي تنظر إلى البعيد، إلى ما وراء قاسيون..

كما اني شاهدتها تقرأ الغروب، أو تلامس أصابعها بحنان حبات فاكهة دمشقيّة، وتابعت أحاديثها الصامتة مع الورد.

وهكذا ترسم شلبية بقدرة طبيعيّة نادرة، تنهل من أحلامها دون مشقة أو جهد، عدا الرغبة الكامنة في الإفصاح عما ترى عين قلبها البارحة والغد، وهذا ما يجعل من أعمالها فريدة وضروريّة، حيث تقدم لنا الإنسان بصفاء نادر، وحب دافق، مع شاعريّة بسيطة وعظيمة، من دون ثوريات الثقافة الكاذبة، أو الحرفيّة البليدة.

أمام لوحات شلبية (بحسب حسين بيكار)، يدرك الإنسان قيمة الموهبة الجوهرة الكامنة في أعماق الذات وتلافيف اللاشعور، ويدرك أيضاً معنى الثقافة بمفهومها العميق، ومدلولها الأصيل. وهذا الفيض المتدفق والسهل الممتنع، وهذه الشاعريّة غير المفتعلة.

هذا النقاء العذري، والصفاء الطفولي. هذه الرؤية التي تفيض كالنبع لتحيل الكون إلى جنة، وتحيل الحياة إلى حلم جميل، هي السر الذي يفتقده فنان العصر الذي أعمته الصنعة، وبهره بريق النظريات، فهجر ذاته ليطفو فوق سطح آسن، ويدب فوق قشرة زائفة، ويترك وراءه نبضة، وينسى مذاق الشهيق والزفير.

أما علاء ديب فيؤكد أن شلبيّة لا تتوقف عند قواعد أو حدود. لوحاتها لا تقيم رمزاً، ولا تُطلق شعاراً. إنها ترسم لكي تخاطبنا جميعاً في لغة قديمة جديدة.

لغة فيها وحدها الناطقة، وهي وحدها المرجع والقاموس. رحلة الفنانة شلبية إبراهيم سعي في طريق ذي اتجاه واحد بحثاً عن تكامل حر جديد بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والطبيعة. رحلة لا ترتبط بذوق العصر، ولا بالرغبة في الإبهار والاستعراض أو التجديد، بقدر ما تسعى إلى رد غربة الإنسان وإعادته إلى عالم حي صادق النبرة واللون والشعور.

لا شيء ساكنا في لوحات شلبية إبراهيم، ولا شيء سجينا (كما تقول ناديا خوست). أعضاء المرأة حرة، وجسمها لين، لذلك تبدو كالطيور والأسماك والجنيات..

وينساب شعرها المرسل كأعشاب البحر أو ذؤابات الخيول، كل ما هو جميل ومحبوب يهجر مكانه ويأتي إلى المرأة. تترك عناقيد الرمان الشرفات وتتوج المرأة. وتأتي زينة الخيول المتوهجة، ويحط الهدهد طيرنا المنسي، على ذراع المرأة، ويعزف على قصبة الشرق، ويشترك معه في العزف الخيل والسمك.

هكذا تثبت شلبية أحلام الطفولة والصبا بعمل دؤوب، حتى أصبحت تؤدي بألوانها الماهرة حتى الحلم الشفاف، فبأية مناعة استطاعت أن ترد عن البراءة الشر اليومي، وعنف العالم لتذكرنا بالقمر والرمان، وتضع لوحاتها البيئة مقابل عالم ينتحر، تنتشل منه كل لون يُقتل فتداويه وتشفيه.

شهادة عبدالرحمن منيف

يرصد الكتاب انطباعات وآراء الراحل عبدالرحمن منيف، عن شلبية إبراهيم، فهو بين أنه حين التقى للمرة الأولى بلوحة شلبية إبراهيم، ارتد إلى طفولة منسيّة، تيقظت في داخله مشاعر خالها انتهت لفرط ما مر عليها الزمن، فتلك البراءة الناصعة الفياضة التي ميزت فترة حياته الماضية، والتي غابت، عادت من جديد، والأرض البور القاحلة التي تطوقه امتلأت فجأة بالزهر والخضرة والعذوبة.