يُعرَفُ المُخرج السينمائي الألماني إرنست لوبيتش 1892 – 1947، في دوائر دراسات الأفلام، باعتباره واحداً من كبار المخرجين في السينما العالمية. فهو واحدٌ من القصاصين البارزين، بل «المُعلِّم» شديد البراعة في كل جانب تقني سينمائي. وتُقسَّم فترة صناعته للأفلام الصامتة على أربع فترات: الأولى من 1913 إلى 1917..
وهي الفترة التي كان يصنع فيها الكوميديات ويمثِّل فيها. الفترة الثانية تبدأ من 1918 إلى أوَّل فصل من عام 1921، عندما تحوَّل إلى إخراج عروض بميزانية أعلى، متنقلاً بين كوميديات متطورة ودراميات الحقب التاريخية. ثمَّ جاءت الفترة الثالثة وهي مرحلة انتقالية قصيرة خلال عامي 1921 و1922، صنع فيها فيلمين لشركة إنتاج أميركية في برلين. وبدا عليه تأثيرات أفلام هوليوود. وجاءت الفترة الرابعة من 1923 إلى 1927 وهي التي صنع فيها أفلامه الصامتة الأميركية.
وكان لوبيتش قد وصل إلى أميركا في نهاية 1922 مصادفة، وهي السنة التي صنع فيها غريفيث آخر فيلم ناجح ومهم (يتامى العاصفة).. والذي حضره لوبيتش ثم بدأ يخطف بريق الشهرة النقدية من غريفيث فيلقب بـ«غريفيث الأوروبي»، وصار يأخذ مكانه.
بل أصبح المُخرج الوحيد الذي يظهر في كل أوَّل خمسة أفلام في قائمة «دايلي فيلم»:«film daily»، من بين أفضل عشرة مخرجين. وكان أجره أعلى من أجر أي مخرج في هوليوود في أواسط العشرينيات.
في الجوانب الفنية لصناعة الفيلم تميَّز لوبيتش باستعماله الإضاءة، إذ إنَّه بين قلَّة من المخرجين الألمان الذين تناولوا أسلوب الإضاءة الأميركي بالسرعة التي فعلها لوبيتش. ويبدو أنَّ أفلامه الانتقالية بقيت كنماذج لتتبع. ففي الوقت الذي كان يجري فيه التحديث التقني لألمانيا بشكل جيد، كان لوبيتش قد أسَّس مسبقاً في أميركا عالمه الخاص، ونادراً ما احتوت أفلامه المصنوعة هناك إضاءة منشورة.. معممة.
بدلاً من ذلك، إضاءة منتخبة تعمل للتمييز بين المناطق في المواقع، بجعل الخلفيات مرئية غير بارزة، وبجذب الممثلين قدماً في العمق أمام المواقع، وبخلق تركيبات مؤثرة - باختصار، للإسهام بشكل متكلف، لكنه بارع في إخبار القصة بأسلوب كلاسيكي.
وعن مواقعه التي يجري فيها تصوير أفلامه والمصمَّمة بشكل أولي من قبل كورت ريختر وبشكل أقل من قبل إرنست ستيرن، فهي غالباً أكثر مهارة في التنفيذ من العادة، ومعالجاتها البصرية تفترض دوراً مهماً استثنائياً في خلق الحركة بشكل خاص، لأنها جميلة وذكية كثيراً في صوابيتها.
هي غالباً تأخذ العين بعيداً عن الممثلين. كما أنَّ أفلام لوبيتش التاريخية تستعمل مواقع بطريقة أكثر ألفة من الملاحم الإيطالية لما بعد الحرب العالمية الأولى، وأفلام هوليوود من منتصف العشرية الأولى، كذا هي جاذبة للانتباه بسبب حجمها المعقول وخطوطها المتقنة.
وكان أوَّل أفلام لوبيتش في أميركا «روزيتا»، وهو فيلم تاريخي شابه العمل الألماني بطريقة ما. لكنه بعد انتقاله إلى وارنر بروس، هجر فجأة مواقعه على الأسلوب الألماني لصالح الانفتاح التام على طريقة هوليوود. وهذه لم تكن مسألة سهلة وهو يغيِّر طريقة إخراجه من الفيلم الضخم التاريخي إلى الهزليات المعاصرة.
يصف صحافي طريقة عمل لوبيتش في مجلة «فوتو بلاي»:«photoplay» عام 1922 قائلاً: «قبل أن يشغل لوبيتش الكاميرا تشعر بأنه خطَّط لكل تفصيل في القصة، وجرى إكمال كل أبحاث العمل من قبل المُخرج الفني.
رأيت النص الضخم يضطجع هادئاً على الطاولة بعيداً قليلاً عن الموقع، ولم يقترب منه لوبيتش أبداً، كان مثل جثة. لكن كل تفصيل من ذلك النص كان مراقباً بدقة كآخر الأمنيات ما قبل الموت. فلوبيتش لا يرتجل كما يفعل العديد من المخرجين مثل شابلن».
ويضيف: «لوبيتش يكتب القصة في نسخة في ذهنه وكل جملة فيه من الصعب محوها. وتعد المؤلفة كريستين تومبسون فيلم «مروحة الليدي ونديرمر» أعظم أفلام لوبيتش الصامتة. وكان تبنى الروتين الأميركي وواصل الكفاح بالعمل بالطريقة الألمانية ما أمكنه ذلك.
فبدا بخلاف أغلب المخرجين المهاجرين بأنه يوازن توازناً جيداً بين المقدرات التي جلبها معه، وبين الواقع السينمائي الهوليوودي. وهذا سُمح له الاستمرار بالطرائق التي اعتاد استعمالها في ألمانيا. ولذلك، عكست مخططات القطع في كل من أفلامه في ألمانيا وأميركا مباشرة معرفته المتغيِّرة لمعايير التحرير لكلتا القوميتين.
ما يعني أن لوبيتش استوعب بسرعة معايير هوليوود في الإضاءة وتصميم الموقع. كما أنه كان أكثر طموحاً من أغلب المخرجين الألمان في خلقه لمشاهد معقدة عبر التحرير. وهذه ربما تحتوي قطعاً غير ملائم أو ملتبس، لكنها تظهر الإدراك التقني الذي سرعان ما سيسمح للوبيتش أن يتبنى تقنيات هوليوود بسرعة ملحوظة.
رأى لوبيتش أن يروي قصصه عبر وسائل بصرية أينما كان ذلك ممكناً، وكان عبَّر عن رغبته في عدة مناسبات بتقليل استعمال العناوين، وبحثَ وتساءلَ كيف يمكن للأفلام أن تكون تسلية أو فناً، بالاعتماد على المعالجة. إذ يمكن للأفلام أن تكون مثل الشعر إذا كانت نصوصها مكتوبة بعناية. ويقول لوبيتش: الفيلم الشعري، كما أتصوره، يجب أن يكون مؤلَّفاً في صور، ما يعني أنَّ المعالجة يجب أن تكون منفَّذة بطريقة تقدِّم فيها كل صورة بناءً دراماتيكياً من دون الشرح بوساطة بطاقات العنونة.

