يبين كتاب «المسرح القصير»، لمعده ومؤلفه د. منتجب صقر، أنَّ أوَّل ظهور للمسرحية القصيرة كان في القرون الوسطى، ذلك في المسرحيات الهزلية. والحديث عن الشكل القصير أو المختصر، يقود إلى الحديث عن الأشكال الأولى التي رافقت ظهور هذا الشكل بين مفترق القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

ففي تلك الفترة كان الشكل المسرحي السائد هو المسرحية ذات الحبكة التي تعتمد على قواعد الكتابة الكلاسيكية في شكلها ومضمونها، والتي تتمثَّل في ضرورة توزيع المسرحية على خمسة فصول، حيث تبدأ المشاهد الأولى بالتحضيرات للحبكة أو ذروة الأزمة، وبعدها تتالت المشاهد التي تعلن نهاية المسرحية.

وفي هذا السياق، يبدو حرياً التطرق إلى المسرح المستقبلي الذي يُعتبر من أوَّل الأشكال التي رافقت ظهور الشكل الدرامي القصير. ويدعو هذا المسرح إلى تركيزٍ عالٍ للكتابة المسرحية. وبالتالي فهو يتجاوب مع مضمون الشكل الدرامي القصير. أما عن – السكيتش فهو يأخذ مكاناً واضحاً في تطبيقات الشكل الدرامي القصير.

وفي إطار دراسة المسرحيات القصيرة لا بدَّ من التوقُّف قليلاً عند «السكيتش» الذي ظهر في أميركا وعرفته أوروبا فيما بعد في بداية القرن العشرين. إذ يُعبِّر السكيتش عن نموذج درامي مختزل لدرجة عالية ومرجوة من الكاتب، وينطوي موضوعه غالباً على موقف هزلي مضحك يأتي كفاصل بين مسرحيتين، وجرت العادة أن يُقدَّم في النوادي والملاهي، حيث كان يتمتَّع بشعبية كبيرة وقتئذ.

ولا تزال المسارح والمحطات التلفزيونية تُقدِّم أشكالاً مختلفة من السكيتشات حتى يومنا هذا. ويعتبر السكيتش شكلاً من أشكال العرض المسرحي المختصر، وكنموذج لمسرح أكثر تشدداً من حيث البنية الدرامية.

وفي هذا الإطار على أي باحث أن يسلِّط الضوء على الشكل المسرحي القصير والمميَّز الذي تجلى في مسرحيات الكاتب الايرلندي صموئيل بيكيت خصوصاً في «دراما قصيرة»، حيث يبلغ الإيجاز الدرامي حداً عظيماً سواءً على صعيد الشكل أو المضمون.

ويذكر صقر عدداً من كُتَّاب المسرحية القصيرة، مثل: أوجين سكريب وهو مَن كتبَ المسرحية الغنائية بين 1815- 1850، أنطون تشيخوف، فرنسيس سارسي، جورج فايدو. ويبين أن صموئيل بيكيت الذي كتب مجموعة من المسرحيات القصيرة، اتَّسمت بتجاوزها إمكانات المسرح وأعرافه. وتندرج ضمن التجديد المسرحي الذي اعتاد بيكيت أن يقدِّمه في نصوصه، على أنَّ أهم ما يميِّزها هو التعامل الدقيق مع الفضاءين الزماني والمكاني.

إذ إنَّ بيكيت يطرح جدلية العلاقة بين حاضر الإنسان وماضيه، تاركاً للشخصيات مساحاتٍ مفتوحة يتحركون ضمنها، بحيث يصلون إلى حد الفراغ – أي اللامكان واللازمان- الذي سبق وأن طرحهما في مسرحية بانتظار غودو. وفي فرنسا وبعد ثورة 1968 تغيَّر مزاج وتفكير النُخب الثقافية.

وعن المسرحيات القصيرة في المسرح العربي، يعدِّد المؤلِّف أسماء مسرحيين مثل: مارون النقاش، أبو خليل القباني، يعقوب صنوع. ويعتبرهم أوَّل من قدَّم المسرحيات القصيرة. ثم أعقبهم سعد الله ونوس الذي كتب سبع مسرحيات قصيرة سمَّاها «حكايا جوقة التماثيل».

ومن ثمَّ جاء: الفرد فرج، سعد الدين وهبة، محمد عناني، عبد الفتاح رواس قلعة جي، وليد إخلاصي، عصام محفوظ، أمين بكر، عبد الغفار مكاوي، شاكر السماوي، محفوظ عبد الرحمن، فؤاد التكرلي.. وغيرهم. ويلي ذلك ترجمة لأربع مسرحيات قصيرة: «الغرف» و«الممر» لفيليب مينيانا، ومسرحية أناتول فيلد، ومسرحية «قرطاج مرة أخرى» للكاتب جان لوك لاغاس.