يقدم كتاب «البنية والدلالة في رويات إبراهيم نصر الله»، لمؤلفه د. مرشد أحمد، قراءة وتحليلات معمقة في طبيعة ومضامين نتاجات هذا الكاتب، من خلال دراسته لثلاث بنيات:

الشخصية، المكان، الزمان. ويعرض المؤول لتنامي خصائص هذه البنيات المنسقة بفعل قدرتها على احتواء الحكاية، والدلالة عليها، مبيناً أنه بفعل مجاورة النسقين: البنائي والدلالي، يتشكل نسق العالم في عالمه الروائي، وهذا هو الذي يجعل أعماله قادرة على اختزال مسافة التلقي واكتساب أبعادها الجمالية الخاصة.

إنّ أنساق بنية الشخصية لدى إبراهيم نصر الله، تتصف بالتكامل، لإحاطتها بكل الجوانب التي يمكن أن تشكل بنية الشخصية الروائية، وبالقدرة على التجاور، وبتجاورها تتشكل بنية الشخصية الروائية، ويجري تقديمها للمتلقي، محققة مشروعية انبنائها وتموضعها في النسيج الدلالي للحكي، فتحظى لديه بالمقبولية.

يشير الكتاب إلى أن الروائي إبراهيم نصر الله عمد إلى التنويع في منظومة الأسماء الشخصية، وفي صيغ تقديمها، وفي أدوارها، وفي مستويات شخصياته الروائية، لأن الرواية بسبب طابعها التمثيلي والتشخيصي، يكون المبدع فيها مدفوعاً إلى تنويع الشخصيات من مختلف المستويات الفكرية والاجتماعية، وباندماج هذه الشخصيات داخل محكي معين..

فإنها ستشتغل أساساً كإرساء مرجعي يحيل النصّ الكبير للأيديولوجيا الكامنة في الحكاية، وبذلك تسهم بنية الشخصية في الدلالة على محتوى النصّ الروائي، وفي تشكيل جمالية النصّ الروائي.

إنّ نسقي بنية (نسق تشكل المكان، النسق الوظيفي لتشكل المكان)، يتصفان بالتكامل وبالقدرة على التجاور، لاشتراكهما في تحديد مظاهر اشتغال الروائي في بناء المكان، وبتجاورهما تتشكل بنية المكان، وتكتمل مظاهر استيفاء الروائي في تكوين هذه البنية الحكائية.

والمكان الروائي أدّى دوراً أساسياً في التعبير عن رؤية الروائي، ونظرته إلى العالم، لأن الروائي إبراهيم نصر الله، أسقط رؤيته الفكرية على المكان، مخضعاً إياه لحركة الذات المبدعة، فتجلى وفق مستويات دلالية عدّة، تحددها السياقات الحكائية، وتكشف مدى إحساس الروائي بالمكان.

ولهذا عبّرت الأماكن عن ثقافة الروائي «ثقافة المكان» لأن المكان، لم يكن بعيداً عنه، إنه ملتحم به، إنه ساحة تمتد عليها خيوط حياته الشخصية، وتجربته الحياتية، وعقيدته الأيديولوجية، لذلك يتوافر «المكان الروائي» على دلالة أيديولوجية محدّدة، طالما أنه يتقاطع مع مفهوم المكان الذي يقدّمه النصّ الثقافي الأيديولوجي في مجتمع محدّد..

وفي لحظة تاريخية محدّدة أيضاً. إنّ المكان في روايات إبراهيم نصر الله هو البنية الروائية، والمركز الذي اتجهت إليه باقي المكونات الحكائية في النصّ الروائي، وعبر عن ذاته وجسّد المحتوى ودلّ عليه، محققاً جماليات تلقيه.

إنّ الزمن الروائي لم يكن قليل الشأن، وإنما كان ذا حضور فاعل في النصّ الروائي، بسبب براعة الروائي في تحويل الزمن إلى مادة طيعة، لذلك امتاز كل نصّ روائي بنمطه الزمني وتقنياته وقيمه، واستمد أصالته من قدرته على التعبير على ذلك النمط، وتلك القيم، وإيصالها إلى المتلقي، وإن هذا الزمن امتاز بالتنوع والتداخل بين أقطابه الثلاثة..

وعلى الرغم من هذه الميزة، فإن الزمن التاريخي هو الطاغي، وإنّ التوزيع الزمني لم يكن اعتباطياً، وفيه تجلّت مهارة الروائي في اللعب الزماني بكلّ التقنيات التي تتميز بها الروايات الحديثة، ووظفها بمهارة سارد لا يخلو من نباهة ومهارة لامعة، وبرع في خلق عوالم، وتحريكها في الزمن، وجعلها رهناً لتشغيل رؤية زمانية محدّدة، وهذه الرؤية تجاوزت المقولات الحكائية، لتصبح رؤية زمانية للمجتمع والتاريخ.