يشتمل كتاب «تراثنا البلاغي والمناهج الحداثية»، لمؤلفه أسامة البحيري، على ست دراسات بلاغية تعرض وفق أسلوب تحليلي معمق، من خلال النظريات الأدبية واللغوية التي طرأت على النقد الغربي والبلاغة العربية..
لا سيما أنه خلال العقود الماضية نشأت تيارات فكرية ومدارس أدبية ونقدية تستوحي منطلقاتها الفكرية واتجاهاتها الأدبية إما من العودة إلى التراث والحنين إلى تقاليده العريق أو التطلع إلى الوافد الأجنبي والانبهار بمنجزاته البراقة، إذ إن تاريخ العرب الأدبي والنقدي تعرض في العصر الحديث لموجات متتابعة من الصراع بين أنصار التراث وأتباع الحضارة الغربية.
وفي العموم، نجد أنه تهيمن على دراسات الكتاب، الرؤية المقارنة التي تهتم برصد أهم القضايا البلاغية والنقدية المشتركة بين المناهج النقدية والبلاغية الحداثية وبين البلاغة العربية، لدراستها وتحليل مكوناتها وأبعادها واستشراف آفاقها في مضمون الثقافة، العربي والوافد الأجنبي.
ويرصد المؤلف في أبحاثه، وعبر دراسة مقارنة، كنوز التراث العربي وتيارات الحضارة الغربية. ويأتي الفصل الأول من الكتاب بعنوان «ثنائية اللغة الأدبية واللغة المعيارية في النقد الغربي والتراث العربي»..
وهي دراسة تجمع وتناقش أهم المقولات المؤسسة في المناهج النقدية الحداثية وتحلل الخصائص الأسلوبية التي تجعل من بنية لغوية ما نصاً أدبياً، وتقارن ذلك بما قدمه التراث العربي في مجالات اللغة والنحو والبلاغة حول اللغة الأدبية واللغة المعيارية، ويعمد المؤلف في هذا الصدد إلى تبيان الوظائف المتعددة التي ربطها التراث العربي بخصائص كل منهما.
أما الفصل الثاني، فهو عبارة عن دراسة بعنوان «انغلاق البنية وانفتاحها في البنيوية والتداولية والبلاغة العربية»، وهي تعد استكمالاً للدراسة الأولى، إذ إنها تعنى بتناول المناهج النقدية الغربية (البنيوية والتداولية) لبنية النص الأدبي.
ويدرج البحيري الفصل الثالث من الكتاب، بعنوان «فنون البديع القيمة الشكلية والوظيفة النصية»، وفيه تنطلق الدراسة من قاعدة استجلاء البعد التراثي في علم البديع موضحة عدم انفصاله عن علوم البلاغة الأخرى، وأن اكتمال الخصائص الجمالية للنص الأدبي لا تتحقق إلا باندماج الفنون البلاغية جميعها.
واستعرضت الدراسة في هذا الفصل، المحاولات التجديدية في دراسة الفنون البديعية، وإسهامات اللسانيات النصية في بيان الوظائف النصية لفنون البديع على مستوى التماسك اللفظي وعلى مستوى الانسجام الدلالي للبنية النصية، مع التركيز على إشارات البلاغيين العرب إلى الخصائص الشكلية والوظائف الدلالية التي تشتمل عليها الفنون البديعة وارتباطها بعناصر الاتصال الأدبي.
ويدرس المؤلف في الفصل الخامس «نماذج من خطاب الأنثى في التراث العربي»، مقدماً تحليلاً للخطاب، على محورين: محور أفقي يعنى برصد تشكيل البنية السطحية لنمط الخطاب، إلى جانب محور رأسي يتوجه إلى استبطان البنية العميقة لنمط الخطاب وتحليل دور اللغة المهم في بلورة وعي الإنسان بالعالم من حوله.. وتشكيل تصوراته المعرفية وعلاقاته بمكونات عالمه وأفراد مجتمعه.
أما الفصل السادس، الذي حمل عنوان «من بواكير البحث البلاغي عند العرب»، فيعتمد على توخي المقارنة الداخلية في نطاق البلاغة العربية، من خلال التوغل العميق في تراثنا البلاغي وتبيان أثر الجهود البلاغية الرائدة في الكتب البلاغية اللاحقة.
ويتناول الكتاب في هذا الصدد، الجهود البلاغية لأبي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه الرائد «مجاز القرآن»، كما إنه يلقي الضوء على الانتماء المعرفي للكتاب وانطلاقه من قاعدة أساسية تهدف إلى رصد الأساليب البلاغية التي تخرج اللغة المعتادة، لتحقيق خصائص جمالية ودلالية تكسب النص صفة الأدبية، وتتجاوزها إلى تحقيق أركان الإعجاز في النص القرآني.
