يقدم كتاب «الفنان حسين يوسف أمين... صانع المبدعين» لمؤلفته الدكتورة إيناس حسني، دراسة عن رائد الفن المصري المعاصر حسين يوسف أمين، والذي لعب دورا تاريخيا في حركة الفنون التشكيلية في مصر، وارتبط اسمه بصياغة الشخصية الفنية لنجوم الإبداع الحديث، عبد الهادي الجزار وسمير رافع وحامد ندا وإبراهيم مسعودة ومحمود خليل، وأيضا:
كمال يوسف وسالم الحبشي. وتكفي هذه الأسماء للدلالة على قيمة الرجل الذي كان أستاذاً منتجاً، وملهماً للمبدعين، فلم يكن يتوقف أبداً عن إشعال جذوة التعبير الفني عند تلاميذه ومناقشتهم في كل الأفكار، ووهب حياته لرعايتهم ثقافياً وذهنياً، وإعدادهم للتطور ولقيادة الفن الحديث بكل اقتدار.
تقول المؤلفة: كان «أمين» يمتلك مهارة متفردة، تجلت في الشخصية التي يرسمها بأسلوب يميل إلى التبسيط والاقتصاد في الدرجات اللونية، كما كان له أسلوبه المميز، عبر تخصصه في رسم الاسكتشات، وبما حفلت به رحلته من خطوات واثقة وإيمان راسخ بالفن وتاريخ طويل من الإنجازات، أهله لأن يحصل على لقب الرائد بجدارة..
وكان فنه تلخيص حياة على مسطح، حياة لها ماض وحاضر ومستقبل صنعه كتكوين وعلاقات يتقرب بها من الشخصية التي يعبر عنها باللون واللمسة. وتشرح المؤلفة أنه وانطلاقاً من ثقافته البصرية العميقة، اتسمت خطوطه بالانسيابية وتكويناته بالإحكام، إذ كان يضفي على اللوحة شيئاً من سكينة روحه.. ووداعتها، لهذا جاء أغلبها حالماً.. رقيقاً.
وتبين المؤلفة أنه ترك بصمة مشرفـة على الحركة التشكيلية.. باعتباره أول من قام بتمصير اللوحة، بما كان له من أثر عميق على الأجيال التي تتلمذ على يديه، أثر تركز في قدرته على التعبير بالملامح، وعما تكنه الشخصيات من عواطف ونزوات ومشاعر وأحاسيس، فلوحاته تمتاز باللمسات الحساسة القوية والألوان الشفافة الصريحة.
وكان لموهبته أثر كبير على فنه، إذ برزت خصوبته القصوى في التلوين وتجلت براعته في امتصاص ألوان الطيف، وسكبها فوق لوحاته بغزارة متدفقة وكأنما كان يغني بفرشاته.
وترى المؤلفة أن قدرة أمين وتفرده كفنان حقيقي.. ترجع إلى أنه استطاع أن يتجاوز عالمنا الراهن فنجح في أن يتخذ من كل خبراته المعيشة أداة لتفسير العالم، وكان لاعتداده بنفسه وشخصيته القوية وإصراره على بلوغ الحق دور كبير الأثر في مسيرة حياته الفنية..
وهو ما جعل منه أحد نجوم «جماعة الفن المعاصر» التي ظهرت في النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين، تلك الجماعة التي اهتمت بالتعبير عن الحياة الشعبية من خلال التفسير الميتافيزيقي والتشخيصي لسلوك أبناء الطبقات الشعبية.
وتلفت أبحاث الكتاب إلى أن أمين رائد من رواد حركة الفن المصري الحديث في القرن العشرين، وهو مصور أولى اهتمامه للكشف عن العذوبة الخافية في خشونة الموضوعات الشعبية وقوة حضورها، ويبدو في بعض أعماله متأثراً بهنري ماتيس وبالخط المحيط بالعنصر..
لكن الدور الأكبر الذي لعبه في الحياة التشكيلية أنه كان معلماً ومفكراً يرجع إليه الفضل في تشكيل «جماعة الفن المعاصر» التي قلبت موازين الفن في النصف الثاني من الأربعينيات من القرن الـ20، وضمت إليها مجموعة من فناني الشباب الموهوبين آنذاك.
وتشير المؤلفة إلى أن توجهات أمين كانت تهدف آنذاك إلى تأمل الطبيعة، والتعمق في أشكالها، وتسجيل ما لا تلاحظه العين للوهلة الأولى، وكان الطابع العام لـ«جماعة الفن المعاصر» في تلك المرحلة، هو الأمانة في الدراسة عن الطبيعة، ما أدى إلى اكتشافهم تلك القوانين الميكانيكية التي تحكم حركات النمو في الأجسام الحية والتعرية والترسب وغيرها في الأجسام الجامدة.
ووجه أمين إلى أهمية التراث المصري والفن الشعبي. وتذكر مؤلفة الكتاب أن أمين ولد عام 1904، في القاهرة، والتحق بمدرسة المحمودية الإعدادية، ومارس الرسم تحت رعاية الفنان حبيب جورجي، ثم التحق بمدرسة المعلمين العليا، وتخرج فيها، وكان نموذجاً للتلميذ والطالب المتألق ذهنياً وفكرياً..
وقد شهد له أستاذ الأجيال حبيب جورجي، الذي كان آنذاك علماً من أعلام التعليم الفني، وراعياً للفن الفطري، شهد له بأنه يحمل الكثير من الفكر والموهبة القوية. وقد دفعه طموحه إلى السفر إلى فرنسا عام 1924، ومنها إلى إسبانيا، حيث درس اللغة الإسبانية.. ثم إلى البرازيل حيث أقام هناك حتى عام 1929.
حصل على الدبلوم من سان باولو في فلسفة الفن وتاريخه بالبرازيل، ثم رحل إلى فلورنسا بإيطاليا حيث اشتعلت الجوانب الإبداعية عنده فحصل على دبلوم الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بفلورنسا. وهكذا اجتمعت في أمين الدراسة العلمية والفنية وفلسفة الإبداع، كما أنه لم يكن بعيداً عن دراسة النظم السياسية والاجتماعية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وانتقال شرارة الثورة من أوروبا إلى مختلف بلاد العالم.
المؤلفة في سطور
د.إيناس حسني. باحثة وكاتبة مصرية. حاصلة على الفلسفة في الفنون من المعهد العالي للنقد الفني، صدر لها العديد من المؤلفات، منها: أثر الفن الإسلامي على التصوير في عصر النهضة، حامد ندا رائد السريالية الشعبية، عايدة عبد الكريم.. حياة من زجاج، جماعة الفن المعاصر.. ثروة باقية من الفن الجميل، التلامس الحضاري الإسلامي الأوروبي، رائدات فى الفن التشكيلي.

