يحيط كتاب جيرار تيتوس- كارمل، لمؤلفه جاك لينارت بتجربة هذا الفنان التشكيلي الفرنسي المولود في باريس عام 1942، خاصةً إنتاجه الفني المنجز ما بين عامي 1984-1989 الموزع على رسوم تخطيطيّة، وأعمال على الورق، ومحفورات مطبوعة.
يرى الفنان كارمل أن قوة الفن هي في الكشف عن الإشارة، أما مؤلف الكتاب فيشير إلى أن الصورة الأولى التي ارتسمت في ذهنه حيال أعمال كارمل، ارتبطت بحاسة الشم، أي أنها عاطرة، ولها علاقة بفكرة التقهقر، مؤكداً أن ثمة روائح غابة، وأن ثمة عطراً ناتجاً عن تعفن نباتي يفوح من هذه الأعمال، بينما ينحني فيها رأس الموز المنتصب، المتعب من جهده.
إنه التقهقر: انحراف بطيء للأشكال تبعاً للوقت، وهذا الانحراف ليس انحرافاً بالضرورة، بل هو تغيّر فقط. كل شيء يبدأ من هنا، وتُسجل الأشكال مرور الأيام، وحالات النفس، والأضواء والألوان، كل شيء يُصبح ملوّناً، وكل ملوّن يصبح لوحة دوريّة، ترتيباً للفوضى الحساسة.
طوال سنوات عديدة (بحسب الكتاب)، كان عمل التفكيك هذا من مهمة العلم الذي كان يؤدي رقصة مستمرة حول موضوع ما، من أجل التقاط حالات التعدديّة والالتباس وعدم الاستقرار الكامنة وراء موضوعيته المتماسكة والواضحة. ما هو الموضوع غير المستقر؟ الحادث؟ الهوامش والزوايا، يصبح حادثاً بصرياً. ويكشف القصور الحراري للشكل الهندسي عن فوضى من نوع جديد.
وإذا كانت الهندسة نظاماً للأرقام، فإن فوضاها ترتبط ببعد جديد أكثر ثقلاً، وأكثر (إنسانيّةً). وهذا البعد الجديد هو الحجم. وما يُظهر تقهقر الشكل الصافي هو البعد الثالث، ونحن نعلم أن الثالوث شكل متحرك للإدراك. بيد أن باستطاعة الحجم أيضاً أن يكون شكلاً كاملاً ومغلقاً قطعاً. ومع الفنان كارمل يتفكك الحجم دائماً، ويبدو ضعفه الكامن في بعده الثالث، أما موطن ضعف الحجم فهو داخل ذاته.
يُقدّم كارمل لنفسه (كما يقول المؤلف)، شيئاً لا وظيفة له. لا بماديته ولا بشكله المنقوش بدقة. وهذا الشيء ليس معدوماً بالفعل. أي خارج الوظيفة، لكنه إشارة صافية، ومجموعة من الوظائف التي تبدو هنا غير واقعيّة، وتلتقي كلها في شيء محدد. فربما يكون ذلك للإصرار على المظهر الأتنوغرافي غير الصحيح الذي يُلقّب به بالإنجليزيّة، وبلغة انثروبولوجي قبائل (تلاينجيت Tlingit) في كولومبيا البريطانيّة.
إن العالم الذي يتفجّر في أعمال كارمل، ويمر من حال المفهوم إلى حال الإحساس، هو دليل عرض للتحوّل المسيطر على هذه الأعمال، حيث ينطفئ مرة أخرى (ولو لوقت ما) الحلم الكبير للعقل..
ويصبح اللون ركيزة للمتعدد، وبالتالي لن يذوب الشكل بعد اليوم، في منطق نظامه، وليس الشكل نفسه هو الذي يتلاشى، إنما النظرة الموجّهة إليه هي التي تُغيّر في توجّهها، ومن هنا يمكن تفسير هذه العودة إلى الرسم الذي يبدو غير مفهوم بالنسبة إلى الكثيرين، والذي يفسره البعض كظاهرة من ظواهر العصر.
على أية حال، وطبقاً لما يشرحه المؤلف بخصوص حياة ونهج هذا الفنان، ليست مهمة الرسم هنا تصوير عالم ما، إنما بالأحرى ابتكاره، ويحاول الرسم من خلال اختلاج الانطباعات التي يبثها أن يُوجد شيئاً ما، شبه عالم، أقل وجوداً من جاذبية الواقع، وهذا ما يُبقيه في إطار السريّة.
وهكذا يكتشف الفنان كارمل بمجيئه إلى الرسم، بُعداً جديداً لإلغاء الشكل، فهو يفكّر ويرسم انطلاقاً من نظرة ملبّدة بلعبة الأحاسيس. وهنا يكمن بالفعل فن الرسام، وهو ليس فناً غير وهمي (أي أنه فن يجعلنا نؤمن بواقع ما) لكنه فن الأوهام الخصبة.. السعيدة لفعل النظر.
