يمثل كتاب أفروديت، أحد إبداعات الأديبة إيزابيل الليندي، إذ يستهله مترجمه رفعت عطفة: «مرّة أخرى، تخرج علينا إيزابيل الليندي، مثل بعض شخصياتها التي تملك القدرة على الاختفاء والظهور تمسك موضوعاتها. فلا تلبث أن تصبح مطواعة لا تخرج من بين يديها إلا كما تريد ويريد القارئ، وكأنها تشكّل العالم على شبهنا وعلى ذوقنا»..

ويتابع المترجم موضحاً أنها أرادت أن تختلف. فجاء اختلافها عزفاً منفرداً على مقام الرواية، يحمل الكثير من نزوع الإنسان في مسيرة الحياة التي يرسم إيقاعها موضوعان شغلا البشرية وتسببا بالحروب، كما تسببا بالفرح والحلم والإبداع، وهما: الحب والطعام. إنهما الفنانان اللذان كانا محطّ تفكير الإنسان وتأمّله.. إبداعاته وإرهاصاته، وبحثه الدائم عن الجديد فيهما.

أرادت الكاتبة في هذا العمل أن تأتي بجديد، وحققت ذلك على عدّة مستويات: منها أنّه عمل مشترك، إنها تمسك بخيوط العمل فأسلوبها يشكّل الخيط الذي يأخذ بيدك وينسيك جهد الفنان المتواري في الظل..

إنّها تقدّم لنا عملاً موسوعياً ممتعاً، ينطوي على الصراحة والثقة بالنفس، والنكتة والسخرية أحياناً. إنها تكتشف وهي تتنزه في حدائق الذاكرة، أنّ ذكرياتها مرتبطة بالحواس، عمتها مرتبطة في ذهنها برائحة حبات السكر التي لها طعم البنفسج، فحين تظهر هذه السيدة «تفتح محــــفظتها بوقار وحركات طقسية، ثم تُخرج علبة صفيح مزوّقة وتعطينا حبات كراميلا خبّازية اللون، مذاك وما إن يخطر أريج البنفسج حتى تعود صورة تلك العمة على شكلها في ذاكرتي».

نقتصر هنا على وصفة من الأفروديات البسيطة، كالمحار الذي نتلقاه من البحر، حسب وصفة.. أو معجون العسل واللوز المطحون، وكذلك وصفات حديثة قليلة الحريرات والكوليسترول. البحريات والأعشاب والبهارات، وحتى القمصان المطرزة، الأنوار الوردية، والأملاح العطرية للحمام، كانت هناك أفروديتية واحدة أقوى منها جميعاً:

الحكايات في حياتنا الطويلة وهي التي برهنت بها على ذلك «شهرزاد» راوية بلاد العرب العجيبة التي سحرت بلسانها الذهبي سلطاناً جائراً على امتداد ألف ليلة وليلة، عاد الرجل من ميدان المعركة دون إعلام مسبق، وهو خطأ لا يغتفر تسبّب بما لا يحصى من المآسي، فوجد إحدى زوجاته، أحبهن إلى نفسه، تتسلّى سعيدة مع عبيدها، أمر بقطع رأسها، ثم قرّر بمنطق ذكوري واضح أن يأخذ كل ليلة عذراء ويعدمها بيد الجلاد عند الفجر..

وبذلك لا تملك الوقت للخيانة، وكانت شهرزاد واحدة من آخر الفتيات الجاهزات في مملكة الكوابيس تلك، لم تكن جميلة بقدر ما كانت عارفة ومالكة لموهبة الكلام السهل والخيال الخصب، في الليلة الأولى رتّبت أوشحتها وراحت تحكي قصة طويلة ومذهلة استمرت عدداً من الساعات.

وما كان ينبثق أوّل خيط من خيوط الفجر حتى صمتت بحشمة تاركة الملك عالقاً، فمنحها هذا يوماً آخر من الحياة، وهكذا من قصة إلى قصة، ومن ليلة إلى ليلة أنقذت الفتاة عنقها من الحسام، وخفّفت من قلق السلطان، ونجت.

تعتقد الكاتبة أن أي غذاء صحي، طازج وجذاب للنظر، لذيذ الطعم وخفيف سيكون مهماً في جعل حياتنا تسير وفق نمط جيد ومريح. وأن الغذاء في هذا الشأن قضية من القدم بحيث إنه في ليل الحضارات المطورة منذ قرون، كثير من الوصفات ضاع في وعر التاريخ، ولكن بعضها استمر في التراث الشفوي. وتشير إلى أنه ينصح في ثقافات أخرى بالامتناع عن تناول أطعمة دسمة، حتى يتحقق الوصول إلى الصفاء والإلهام.

وتقدّم الكاتبة وصفاً لأطعمة لا يجب أن تغيب عن مطبخك (المقصود النساء)، وأن تمنح الحياة لمسات من الطعم والمزاج الرائق، فنحن - تقول الكاتبة - نعيش راكضين كي نصل إلى الموت، وتستطيع أن تضيف أنّه إذا حالفك الحظ، وأعطت هذه الأطعمة مفعولها، ستعيشين سعيدة، إنّ التنوّع يجدد نشاطنا في الحياة مرّة وأخرى. وتقدم الكاتبة عدداً من الوصفات والنماذج. وضم الكتاب لوحات رائعة لفنانين مشاهير، كذلك مئات الوصفات لأطعمة مختلفة.