يقسِّم كتاب «نذير نبعة.. فنان الواقعية»، لمؤلفه طارق الشريف، فترة عطاء الفنان التشكيلي نذير نبعة (1938- 2016) إلى ثلاث مراحل. الأولى: هي الفترة التي تمرَّن فيها على الرسم في مرسم الفنَّان ناظم الجعفري في مدرسة التجهيز الأولى، حيث تعرَّف على الخامات والأدوات، مستفيداً من قدرات هذا الفنَّان على الرسم، وما يملكه من اتجاه واقعي دقيق.
كما اطلع على تجربة الفنَّان نصير شورى في مرسمه، وتعرَّف أعماله الانطباعية. كذلك استفاد من تجربة الفنَّان محمود جلال. إذ اكتسب منهم دقَّة الرسم الواقعي، وإضافة التكوينات المبتكرة. فنفَّذ لوحات فيها إعادة تأليف الواقع وتقديمه من دون أن تبقى عند حدود النقل المباشر، محاولاً تقديم رؤية شخصية.
غير أنَّ مرحلة التكوين الأساسية التي أعطت نذير نبعة أهم المنطلقات الفنية والفكرية، هي فترة الدراسة الأولى له في القاهرة التي عرَّفته على الفن التشكيلي بشكل صحيح؛ إذ اطَّلع على الانطباعية وعلى الواقعية، وأدرك الخلفيات الفكرية التي تكمن خلف هذه المدارس الفنية. كما استفاد من تجارب المدرسين الذين التقى بهم، مثل: حسين بيكار، عبد العزيز درويش، عبد الهادي الجزَّار، حامد ندا.
وزادت خبراته الفنية؛ فقدَّم التجارب الدراسية المتنوعة التي تدل على قدرته الفنية العالية التي صقلتها الأجواء الفكرية التي ساعدت على تبلور أفكاره، والتي يمكن أن نحصرها ضمن عدَّة مفاهيم أساسية. ولعل أهمّها ربط الفن بالإنسان. وتقديم الفن الواقعي لكن بصورة متحرِّرة، والاهتمام بالفنون الشعبية واعتبارها مصدراً هاماً للفنان التشكيلي والاستفادة من الأساطير ومن المأثورات الشعبية.
وكان ثمرة هذه المرحلة معرضه الأوَّل الذي أقامه في صالة الفن الحديث العالمي بدمشق عام 1965.
ثمَّ كانت المرحلة الثانية، وهي المرحلة التي دخلت تجربته في إطار الحداثة الفنية. فقدَّم أعمالاً ذات صيغة فنية واحدة عبَّر فيها عن كثير من المواضيع التي شغلته، وظلَّ يُغني هذه الصيغة بالإضافات ويرفدها بالعناصر المختلفة، ما أعطى مرحلته هذه وحدة فنية متينة وصيغة تشكيلية متماسكة.
إلى أن جاءت هزيمة حزيران 1967 فدخل في اختبار عنيف، قدَّم فيه العديد من التجارب الفنية المرتبطة بالأحداث فرسم الملصقات السياسية والموضوعات المرتبطة بالهزيمة والعمل الفدائي. كما رسم اللوحات المختلفة بالحبر الصيني والقلم واشتهرت تجاربه التي رسمها عن القضية الفلسطينية، التي طُبعت إلى جانب قصائد شعراء الأرض المحتلة.
في هذه الفترة، عمل في الصحافة ورسم العديد من اللوحات وأغلفة المجلات. كما اشتهرت رسومه لمسلسلات الأطفال. وطرأت بعض التعديلات على موضوعاته إذ ابتعد فيها عن المباشرة في التعبير، ولجأ إلى الاستعانة بعناصر ورموز من التراث الحضاري القديم، ليعطي لوحته مفهوماً جديداً مع المحافظة على الهدف وهو وحدة اللوحة تشكيلياً..
ومتانة بنائها وتكوينها. ثمَّ جاء سفره في هذه المرحلة إلى باريس للدراسة الفنية في المدرسة العليا للفنون الجميلة 1971- 1974. فوضعت تجربته أمام امتحان جديد؛ إذ كان عليه أن يحاور الفنانين والأساتذة وأن يقنعهم بتجربته ويفاعلها مع التجربة الحديثة للفن التشكيلي.
وكانت محصلة هذه الدراسة دخول نذير نبعة في مرحلة جديدة، مهَّدت الطريق أمام اكتشاف أسلوبه الخاص واستقرار تجربته. وكان نذير قد انطلق في تجاربه التي قدَّمها في باريس من الواقع، وبدأ يحلِّل هذا الواقع بدقَّة فوتوغرافية.
في المرحلة الثالثة، كما يصف الناقد طارق الشريف تجربة الفنان نذير نبعة؛ فإنَّه وبعد العودة من باريس أصبح الإنسان يعيش ضمن اللوحة التي يرسمها في عالم متكامل يحيط به العنصر الحيواني من الطيور أو القواقع، وهي لا تقل أهمية عن الإنسان في اللوحة أو عن الفوضى التي تحيط به أحياناً. ذلك لأنَّ الفوضى التي تغلب النظام تعبِّر عن حالة تراجيدية يسعى للتعبير عنها..
وتقف هذه الأشياء معه تساعده على الغلبة والانتصار. وعموماً، تميَّزت مسيرته باهتمامه برسم (المرأة) التي أصبحت الرمز لكل القضايا الإنسانية التي يريد التعبير عنها، فهي رمز الحياة والتجُّدد والأمومة والولادة والخصب والتضحية... إلى آخر ما هنالك من الرموز التي ارتبطت بالمرأة عبر تاريخ الفن، فرسمها وهي تعيش المآسي والتمزق مع احتفاظها بجمالها.
ثمَّ يستنتج المؤلِّف أنَّ نذير نبعة استفاد من تجارب الفنانين الحديثين الذين عمَّقوا مفهوم الواقعية وأضافوا إليها المضامين الإنسانية، ونقل أعمق الأفكار بأبسط الأشكال؛ إذ حوَّلها إلى رمزٍ ولونٍ وخط ٍ ومساحاتٍ ووجوهٍ مرسومة تملك القدرة على نقل المضامين وتساعده على تحقيق هدفه وهو اكتشاف أهمية الارتباط بالقضايا المصيرية التي تعيشها أمتنا العربية.
الإنسان
يوضح المؤلف أنه تبدَّلت طريقة نذير نبعة في تناول الموضوعات الإنسانية، عقب عودته من باريس، وأصبحت أكثر بعداً عن المباشرة وأكثر استقلالية عن غيرها، وعبَّرت عن مشكلة الإنسان الوجودية وما يعانيه من أزمات وما تحفل به الحياة المعاصرة من صراعات، بحيث أصبح الإنسان هو هاجسه الرئيسي وموضوعاً لكل ما يرسم حتى سُميَّ نذير نبعة بـ (الفنَّان الإنسان).
الكتاب: نذير نبعة.. فنان الواقعية
تأليف: طارق الشريف
الناشر: وزارة الثقافة – دمشق 2015
الصفحات:
80 صفحة
القطع:الكبير
