يجمع كتاب «حدثني ميخائيل نعيمة.. حوارات وأحاديث في محطات العمر»، لمؤلفه اسكندر داغر، عدداً من الأحاديث والحوارات التي كان قد أجراها مع الأديب والمفكر اللبناني الراحل ميخائيل نعيمة، خلال مسيرته الصحافية الممتدة ما بين 1965 و1984.
أراد المؤلف من خلال هذا الكتاب تعريف القارئ بتفاصيل طقوس وجزئيات حياة (ناسك الشخروب)، كما كان يلقبه الأديب توفيق يوسف عواد.
كان نعيمة، كما يوضح المؤلف، يؤثر الصمت وينصرف مُتأملاً ساعات طويلة في عزلته، مُقلاً في احتساء القهوة والتدخين، عازفاً عن تعاطي الخمور والمسكرات، عاكفاً على القراءة والتأمل في الطبيعة، مُنصرفاً إلى التلذذ في الاستماع الى موسيقى الخالدين، أمثال: بتهوفن وتشايكوفسكي وموزارت.
نجح المؤلف من خلال هذه الحوارات، في أن ينقل القارئ إلى ضفاف الصمت والحكمة والتأمل التي تشي بها عبارات وأفكار نعيمة، العابقة بفلسفته الكونية التي وضعته مع كوكبة من مجايليه من أدباء المهجر، أمثال جبران خليل جبران وعبد المسيح حداد وإيليا أبو ماضي ونسيب عريضة، في مراتب إنسانية وفكرية مميزة.
ميخائيل نعيمة المؤمن بالخير والتقدم والإنسان، هو أحد كبار المفكرين الذين ساهموا مُساهمة فعالة في نهضتنا الأدبية، وفي التجديد والتحرر والانعتاق الذي طرأ على الحياة الفكرية عندنا. كما يقول المؤلف في تقديمه لأحد الحوارات التي أجراها معه.
ورداً على سؤال حول الحرب ونتائجها الكارثية على الإنسان، يوضح نعيمة أنه يتطلع إلى اليوم الذي ستتوقف فيه الحروب ويعم السلام أرجاء العالم. فالحرب تقوم بالدرجة الأولى على البغض، في حين أن المحبة هي التي ينبغي أن تقود سلوك البشر.
ورغم التقدم الهائل للبشرية، فإن نعيمة يرى أن المستقبل لن يأتي بالعجائب ولن يُغير كثيراً من أنماط العيش، رغم أنه يؤمن بقدرة الإنسان على تطويع قدراته وتحقيق المعجزات على صعيد العلوم. وهو على ثقة بأن الإنسان كائن عجيب لا حدّ لطموحاته، يختزن في داخله قوى ستُمكنه من بلوغ مدارك غير معروفة على صعيد الاختراعات والاكتشافات العلمية.
وعن موقع الأدب العربي واللبناني خاصة إزاء الآداب العالمية، يوضح نعيمة أن الأدب العربي قد انقطع عن تراثه العالمي منذ زمن بعيد، وهذه الفجوة الواسعة من الزمان، أخّرت العرب عن اللحاق بالشعوب الغربية.
إذ لم يُصر إلى العمل على سد هذه الثغرة الواسعة بين الأدب العربي والآداب العالمية، إلا منذ بدايات النهضة. فترة وجيزة لم تكن كافية، كما يقول نعيمة، للانطلاق بالقصة القصيرة والرواية والمسرحية والملحمة والشعر، الى آفاق جديدة.
ويأخذ نعيمة على العرب عدم إقبالهم على القراءة إقبال الناس في الغرب، فالمدارس لا تشجع طلابها على القراءة، ولا مدننا وقرانا تتسابق إلى فتح المكتبات فيها، والحكومات كأنها في خصام مع الكاتب، تُقيد حريته ولا تحمي حقوق المؤلفين. وأنه لمن المخزي برأيه، أن تعقد البلاد العربية في ما بينها معاهدات لحماية البصل والفجل والثوم، وأن تهمل، بالمقابل، الكتاب والذي يؤلف الكتاب، كل الإهمال.
إن ميخائيل نعيمة آخر من رحل عن دنيانا من بين مجايليه الأدباء الذين شكلوا الرابطة القلمية، التي عُرفت بالتزاماتها الأدبية والإنسانية. وهو يوجز رداً على سؤال حول ما يكونه من انطباعات حول كل واحد منهم، فيبدأ بجبران خليل جبران الذي قال عنه إنه كان قريباً جداً من القلب وإنه محدث لبق، يهتم بالنكتة البارعة والدسمة.
ويصف عبد المسيح حداد بأنه سريع النكتة، قليل التدبير في شؤون المعيشة. في حين أن نسيب عريضة كان أعمق من عبد المسيح حداد وأغزر مادة، خجولاً يُقدر ذاته أكثر مما يستحق.
وعن الشاعر إيليا أبو ماضي، يقول إن عمله اليومي شغله عن عمله الإبداعي. ويُعيد بقاء أمين الريحاني خارج الربطة القلمية لخلافاته الكبيرة مع جبران خليل جبران.

