يبين كتاب «الصراع الطبقي في سوريا – الثورة في صيرورتها»، لمؤلفه سلامة كيلة، أنه رغم الشكل «الطائفي» الذي يظهر في الصراع السوري فإن الصراع الطبقي هو الجوهر الذي يحكم كل ما يجري، إذ رأى المؤلف أن القوى الطائفية المغرقة في التشدد والجهل تعتمد على بيئة «خارج التاريخ» ومهمشة حضارياً في سوريا، لكنها بيئة محدودة الوجود..

ومحصورة في مناطق محدَّدة (ريف حلب، واللاذقية، والبيئات المحافظة في المدن)، وليست بيئة الصراع الطبقي الحقيقي، رغم أنه ظهر أنها تُهيمن على الثورة. ورغم الدعم «الطائفي» للسلطة من قبل إيران وأتباعها، حسب المؤلف، فإن الأساس هو «المصالح الحيوية» وسياسة النظام هناك لتكريس وجوده ودوره وسيطرته على المشرق العربي في إطار محاولته أن يكون قوة عالمية.

لهذا وجدنا أن السلطة والنظام في إيران يستخدمان «قوى طائفية» شيعية وسنية في الوقت ذاته، حيث تدعم واحدة السلطة وتعمل أخرى على تخريب الثورة (النصرة ثم داعش).

وشرح د. كيلة آراءه: المفقرون يخوضون صراعاً طبقياً ضد الطبقة المسيطرة، الطبقة التي تتسم بطابعها الريعي المافياوي، والتي تعتمد بنية سلطوية بالغة الفظاظة والعنف. رغم فوضى التنظيم لدى هؤلاء، وغياب الرؤية الفكرية الواضحة، والأحزاب التي تعبّر عنهم، كذلك النقابات واللجان والهيئات والتجمعات.

هذه الوضعية الأخيرة هي التي سمحت بتغلغل أفكار ورؤى وأيديولوجيات مضادة لمصالحهم، وإلى المقدرة على إظهار الثورة في شكل أصولي سلفي «جهادي». دون أن نتجاهل أنْ ليس كل الثورة هي كذلك، بل إن الكتل الأكبر هي لصنف آخر يتسم بالبساطة، وعدم معرفة كيف يخوض الصراع، وبالفوضوية.

وتابع كيلة: «بالتالي فإن المسارب التي تغرق الثورة فيها هي نتاج غياب الفعل السياسي المعبّر عن هؤلاء المفقرين، والذي يطرح بديلهم وينظمهم من أجل تحقيقه. ومن المفترض أن هذا هو دور «نخب» ثورية (كانت تتسمى باليسار)، لكن ظهر واضحاً أنه حين نهضت الثورات كان هؤلاء قد أصبحوا جثثاً محنطة، لا حول لها ولا قوة، وليست لديهم قدرة لا على فهم ما يجري ولا على الفعل فيه.

هذا ما جعل الصراع الطبقي يتلوّن بالأسود في كلا الجبهتين، وأن يفقد هدفه الأصلي سائراً في مسارات تحبط الثورة ذاتها. لنصل إلى حالة الاستعصاء التي باتت تفترض «عملاً جراحياً» لكي ينفتح أفق الصراع الطبقي من جديد. لكن في كل الأحوال المفقرون نهضوا، والطبقة المسيطرة باتت إلى زوال».

وقال كيلة: «منذ البدء حاولَت بعض الأجهزة الأيديولوجية إطلاق تسمية «صراع طائفي» على ما يجري في سوريا. والبعض، خصوصاً في الإعلام «الغربي» (أي الإمبريالي) استخدم مصطلح «الحرب الأهلية». وربما يُؤكِد ما وصل إليه الوضع السوري على هذه أو تلك من المصطلحات..

حيث أصبحت قوى أصولية (سلفية جهادية) هي التي تتصدر المشهد في الصراع، بعضها يقاتل السلطة وبعضها يخدمها. وباتت السلطة تستند في استمرار سيطرتها على قوى محددة تابعة ومرهونة في قراراتها لقوى خارجية. وهذا فعلياً بينما هناك من يُريد أن يصوّر الأمر بأنَّ ما يجري هو صراع سُني شيعي بالتالي».

ولفت المؤلف إلى أنه في مستوى آخر بات الصراع، ليس محلياً فقط، بل إقليمياً، وكذلك دولياً بعد تدخل كل من إيران وروسيا والسعودية وقطر وفرنسا وأميركا. لهذا بات هناك من يرفض أن يسمي ما يجري ثورة، أو حتى تنازع داخلي، بل يربط ما يجري بالصراع العالمي.

وخصوصاً هنا «الصراع» الروسي الأميركي، ومسار السيطرة على العالم، حيث ظهر الوضع السوري كمفصل لكي تُظهر روسيا استقلاليتها ومركزيتها في الصراع العالمي، وفي السعي لتشكيل عالم جديد.

كل ذلك قائم، ويظهر الآن بأنَّ الثورة السورية باتت في مأزق، وأنَّ الصراع كله في استعصاء. ولقد تلاشى الكثير من المطالب والشعارات التي رُفعت بداية الثورة، وخلال كل عامها الأول خصوصاً. فقط ما بقي هو هدف إسقاط السلطة، التي ربما تتلخص بالرئيس وحاشيته.

ويظهر واضحاً أنَّ الحل لم يعد سورياً بل بات يخضع لتوازنات القوى العالمية، وللدور الإقليمي لقوى عدة. ما الذي أوصل إلى ذلك؟ ربما تكون هناك بعض الإجابات في الكتاب ذاته. بالتالي لماذا نتحدث عن «الصراع الطبقي»؟

وشدد كيلة على أن المحرِّك هو صراع الطبقات، صراع المفقرين ضد الطبقة المسيطرة. ولأنه كذلك فهو مستمر بغض النظر عن الشكل الراهن له، حيث ستفرض التجربة على المفقرين بلورة بديلهم الثوري بعيداً عن كل أوهام الماضي أو التخيلات، وسيتخذ شكلاً واضحاً متجاوزاً الاستعصاء القائم، والذي قام نتيجة الشكل الأصولي الذي اتخذه وحدَّ من توسّع الثورة لتصل إلى «نقطة ضعف السلطة»..

أي هنا البيئة الاجتماعية التي تتغذى منها «بنيتها الصلبة»، وقوتها الضاربة. رغم أن هذه تدمرت كذلك خلال الثورة لتجد السلطة في «حلفائها» مسنداً تقف عليه، حيث باتت تقاتل الشعب بقوى مستجلبة من الخارج، وكذلك من روسيا، القوة الإمبريالية التي حاولت أن تجد لها موطئ قدم دون أن تعرف كيف تحقق ذلك فدخلت في متاهة. وهذا يُظهر كيف أن الصراع الطبقي في بلد بات يفترض توسعه إلى بلدان أخرى، وكيف أن مصالح الدول باتت تفرض عليها التوحد ضد حركة الشعوب.