ذاتيته المتطورة أغنت ألوان السلوك الإنساني

وداعاً علم الجمال.. مسارات تاريخية وواقع

يناقش كتاب «وداعاً علم الجمال»، لمؤلفه جان ماري شايفر، مجموعة مسائل بنيوية في موضوعة الجمال.

ويقول صاحب المقدمة الدكتور سعد الدين كليب، إنّ علم الجمال هو آخر أبناء الفلسفة، غير أن هذا لا يجعل منه فلسفة، فهو يحمل جينات الفلسفة من حيث التفكير الكلي بالظواهر والأشياء، ولكنه علم مستقل عنها من حيث الأدوات الإجرائية والطرائق المنهجية التي يتوسل بها للوصول إلى وعي مادته الجمالية.

إنّ النزعة الفلسفية التأملية الطاغية على التفكير في علم الجمال، هي التي دفعت عالم النفس الألماني فيشنر إلى نفي تلك الطريقة المتبعة في التفكير الجمالي، في كتابه «مدخل إلى علم الجمال» داعياً إلى علم جمال يعتمد على طريقة علمية تجريبية، تقوم على الاختبار العلمي بدلاً من الاستدلال الفلسفي – أي ان فيشنر كان قد قال في سنة 1876 لعلم الجمال وداعاً، ولكن بطريقته السيكولوجية الخاصة.

إنّ تحية الوداع التي يطلقها جان ماري شايفر تجاه علم الجمال، إنما هي توديع لطريقة محدّدة في الدرس الجمالي، ولهذا فإنّه يكرس شطراً كبيراً من جهده الدرسي في كشف زيف المذهبية الجمالية. ويبني كوندرا تنكو فرضيته على أنقاض النظرية الطبيعية والنظرية الاجتماعية اللتين هيمنتا على علم الجمال الماركسي، للوصول إلى فرضيته الجمالية التي تحدّد الجمال والجمالي عامّة.

إنّ ولادة علم الجمال الفلسفي هي في الوقت ذاته ولادة للمذهب الجمالي، وعلى الرّغم من كلّ ما نعرفه عن آلية العمل الإدراكي للإنسان يعارض الازدواجية الإدراكية – الحسية، استمر علماء الجمال في تناول هذه المسألة من خلال هذا الإطار، ونتيجة لذلك أنهكوا أنفسهم في سبيل حلّ مشكلة لا وجود لها.

الحكم الجمالي ذاتي لأن «منبعه» حالة عاطفية ديناميكية ذاتية يسببها نشاط إدراكي، يؤثر رجعياً في هذا النشاط، إنّ حالة عاطفية كهذه لا يمكن أن تكون سوى تجربة ذاتية معيشة. وليست العلاقة بين التقدير الذي ينظم النشاط الإدراكي والحكم الجمالي إذاً علاقة استنباطيته، فالحكم الجمالي ليس مستنتجاً من «عدم» الرضا، بل يترجمه، أي انّه المعادل الدال للتأثير.

إنّ القيم كلّها «نسبية» تتعلق بوضعيات ما، أي أنها أحداث ذاتية أنطولوجياً، لكنها ليست كلّها ذاتية بالمعنى الذي تصبح فيه فردية، على الرغم من أنّها لا توجد كلّها إلا بوصفها متجسّدة في حالة فردية، مثل حالات ذهنية يعبّر عنها أفراد.

إنّ سلوكاً جمالياً شديد التعقيد يمكن أن يترجم، خلال حكم جمالي ضئيل التطور، فالنزوع إلى إظهار التقدير الجمالي على نحو انعكاسي هو بالتأكيد متغير حسب العصور والثقافات والوسط الاجتماعي، وتفاوت الأعمار... الخ.

كذلك الأمر بالنسبة إلى الإرادة في نقلها التقدير الجمالي إلى أشخاص آخرين. كما يكمن فن الناقد في جوهره في التطور المرافق لقدرته على عكس ذلك في تجاربه الخاصة، وتطور معرفته بالأعمال، وعلى كفاءته في نقل المنتج غير الثابت والمزاجي إلى أبعد الحدود.

إنّه لو كان للوضع الذاتي للحكم الجمالي نتائج ضارة، فسيكون لها حتماً تأثير في كلّ عصر، لأن هذه الذاتية مسجلة في قلب العلاقة الجمالية ذاتها، بما أنّ أشكال السلوك الجمالية ليست فقط تلك التي يُعاد انتهاجها من جيل إلى جيل منذ آلاف السنين، ولم تتوقف عن التطور والتنوع، ممّا يجعلنا نشك في التأثيرات الضارة المفترضة، على العكس:

كلّ شيء يجعلنا نعتقد أنّ الطابع الذاتي بالتحديد للعلاقة الجمالية هو الذي كان – ولا يزال – مسؤولاً عن التطوّر والتنوع والإغناء المستمر لأشكال السلوك الإنسانية، والحقيقة أننا لم نكن نتوقع غير ذلك أساساً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات