صادف صدور كتاب «العقل والإيمان بين الغزالي وابن رشد» للشاعر اللبناني خليل حاوي، في الذكرى الثالثة والثلاثين لانتحاره ببندقية صيد كان يملكها. الكتاب هو في الأساس رسالة مُقدمة إلى الدائرة العربية في الجامعة الأميركية في بيروت في حزيران 1955 لنيل شهادة الماجستير. روى سيرة صاحبها ميشال جحا وقدم لها محمود شريح.
تكهنات عديدة تحيق بظروف انتحار حاوي، يُفصّل ميشال جحا بعضاً منها: أهو معاناته من الخيبة نتيجة السقوط الحضاري للأمة العربية؟ إذ ليس أدل على ذلك من اجتياح إسرائيل لبيروت وسط صمت مُدقع وتجاهل خبيث.
.ومعاناته من الشعور بالقرف والوحدة والسخط وعدم الرضا والتمزق والاحباط وبأنه لا يلقى ما يستحقه من الاهتمام كشاعر وهب حياته لأمته، وربما هو ناتج عن إحساسه بنضوب شاعريته ما أدى إلى جفاف في شهوته بالحياة.
أو أن انتحاره جاء نتيجة لأزمة وجودية، أو لأنه كان يأخذ كل شيء بجدية، مما سبب له صداماً بين الواقع الذي يعيشه وصرامته وتشدده مع نفسه.
وعن موضوع الكتاب، يوضح محمود شريح في تقديمه، له أن انزياح حاوي إلى الفلسفة لازمه طوال حياته. هو الذي رأى أن «الضيق والتعصب في الإيمان من الظواهر المرضية، التي تُحيق بجميع ملكات النفس في مراحل انحطاط الحضارة وتقلصها».
وبرأي شريح فإن حاوي كان يعني بصراحة ووضوح، التزمت الديني الشائع آنذاك، وسط ما بدا له أنه سقوط حضاري فعلي، ولذا أعلى من توجهات تنتصر لـ «حركة العقل» ودعا إلى بعث قيم الإيمان وإصلاح أمر الدين. فالتآلف بين مذهبي الغزالي وابن رشد، ينتج عنهما نظرة شاملة في الوجود، يمكن اعتمادها مقياساً للحكم على الإنسان الحديث في الحضارتين الغربية والحضارية.
الباعث على هذه الرسالة، كما يبين حاوي، في مُقدمته، إيجاد صيغة كفيلة بالخروج من فوضى القيم وحمى التشدد واختلاف المقاييس وتعارض المذاهب. لذا فإن الهدف من الكتاب ليس إقامة عرض فكري وتاريخي لمذهبي ابن رشد والغزالي وما فيهما من تعارض بين الإيمان والعقل، إنما إبراز الحاجة إلى التوفيق بينهما والحد مما فيهما من غلو وتطرف، والقضاء على ما بينهما من تعارض..
وصولاً إلى التآلف بينهما في مذهب واحد، بحيث يُكمل أحدهما الآخر، ويصبح ذلك المذهب-الصيغة، المنبثق عنهما مُحاولة لتوجيه الحضارة العربية الحديثة في سبيل التكامل وتحقيق ما استهدفته الحضارات السابقة ولم تبلغه.
لا يدّعي حاوي تفرداً بنظريته هذه وإن افترق عن منظرين كثر في بعض الأمور. فالفلسفة في العصر الوسيط انتهت في معالجة مسألة العقل والإيمان، إلى نتائج حاسمة ترجع تردداتها إلى ما كان في التراث العربي «من خميرة صالحة فعلت في تطور الفكر الغربي وتقدمه، ولاتزال فاعلة حتى اليوم». ويأخذ حاوي على العرب اجترارهم لهذا التراث وعجزهم عن الاستفادة منه واستيعابه.
تبدأ الرسالة كما يوضح خليل حاوي في مُقدمة أطروحته «بعرض موجز وتحليل وحكم على مسألة العقل والإيمان في المذهب السني ومذهب المعتزلة ومذهب الأشعرية السني، ثُم في الفلسفة المشرقية على الصورة التـــــي انتهت إليها في مذهب ابن ســــينا».
تبعاً لذلـــك، يجري الانتقال من سيطرة الإيمان المطلقة لبروز العقل وتحديه للإيمان والوحي، على أن يُصار إلى التـــوفــــيق بينهما، باعتبار ذلك أفضل حل لمسألة التــــناقض بين الإيمان والعقل ». ويلي ذلك، فصل يُعالج فيه حاوي بواعث الشك لدى الغزالي، ومدافعته عن علم الكلام ومهاجمته للفلسفة وتهديم مبادئها، وإظهار عجز العقل وضرورة تسليمه بصحة الوحي وصدق التجربة الصوفية.
ويعرض المؤلف في فصل تالٍ لفلسفة ابن رشد، حيث يُبرز دفاع العقل عن نفسه و«اعتبار الفلسفة في حق أهل البرهان معرفة وعبادة». فالوحي عند ابن رشد يقتصر على العامة..هؤلاء لا يعرفون درباً للفضيلة والسعادة غير الترغيب والترهيب اللذين هما من صميم الشرع ومتنه.
وفي مُستهل هذا الفصل يُطلق المؤلف على ابن رشد لقب «ارسطو الجديد»، مُكتفياً بالإشارة إلى أن موقفه هو والغزالي من العقل يكاد يكون واحداً، وإن بدا تأثر ابن رشد واضحاً بالمذاهب التي أعقبت أرسطو كالأفلاطونية المستحدثة والرواقية، من دون أن يخرج على الروح الارسطية الصحيحة.
ويذهب المؤلف إلى القول إن النزعة العقلية الخالصة في الحضارة الحديثة، لا تعود في أصولها إلى فجر النهضة العلمية بمقدار ما تعود إلى مذهب ابن رشد.
والحقيقة التي يخلص إليها الباحث، تقوم على اعتبار الإيمان لا يمكن أن يُعارض العلم من جهة..ولا يُمكن الاستناد إلى نظرياته من جهة ثانية. وإنما مقام الدين ثابت في النفس وهو عائد بالدرجة الأولى إلى تجارب الإنسان الخلقية..إذ إن المهم ما يتركه الإيمان في النفس من ميل إلى الفضيلة واعتبارها غاية الدين ومُعتقداته.
ويؤكد على حالة الفصام القائمة بين أهداف العقائد وبين واقع بعض مُعتنقيها النفسي والاجتماعي:«فكانت دعوة هؤلاء إلى الوحدة القومية أو الوحدة الإنسانية أضعف من أن تتغلب في أنفسهم على النزعات الموروثة من إقليمية وطائفية وعصبية قبلية».
ويدعو في ختام رسالته إلى اعتبار الحضارة في رسوخها وثباتها تعبيراً عن قُدرة الإنسان على الاستيعاب والتجدد. وهذا يتطلب إطلاق ذات الإنسان من عقالها وتوجيهها نحو الخير والحق.

