يؤكد كتاب «الفن عند الفارابي»، لمؤلفته زكاء مردغاني، أن الفلاسفة المسلمين والفارابي أحدهم، لم يكونوا شراحاً لأرسطو وغيره من فلاسفة اليونان، بل كانوا ذوي شخصيات مستقلة، تؤمن بانتهاج البرهان المنطقي للوصول إلى المعرفة اليقينية، وتوظف الفلسفات الواردة على نحو يوافق منطقها العقلي..

ومن هنا توجّه الكاتبة إلى استجلاء ملامح نظرية الفن عند الفارابي، باعتبارها جزءاً من بناء فلسفي شامل. إذ لم يكن الفارابي فيلسوفاً فحسب، بل كان مفكراً وناقداً وموسيقياً وشاعراً.

وهو ولد في «فاراب»، وهي مدينة تقع وراء نهر سيحون، ونشأ بها، ثم خرج منها إلى بغداد، وفيها أكبّ على العلوم حتى برز فيها، وألف أكثر كتبه، ثم رحل إلى مصر والشام وحلب، وأخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن حيلان، وحضر مجلس متى بن يونس، ومن تلاميذه: ابن سيناء والبيهقي. وتوفي في الشام سنة 339 للهجرة.

ويهدف الفن عند الفارابي إلى اللعب المجرّد، فيثير في المتلقي لذّة حسيّة مادية ولذّة نفسية انفعالية، ولذّة عقلية فكرية ينجم عنها إمتاع المتلقي ..

ثم يكون اللعب غاية أولى في سبيل النفع الاجتماعي، إنّه يسهم في تعليم العامّة كذلك يقرن الكمال واللذة بالسعادة، فالكمال يؤدّي إلى اللذة..واللذة تؤدي إلى السعادة، كذلك تؤدّي إلى الكمال الذي يتفيأ السعادة، ثم إنّ السعادة تؤدي إلى اللذة التي تؤدّي للكمال..وهكذا تتبادل هذه الغايات الأماكن في فكر الفارابي، وهذه الغايات تصب في بحر واحد، هو السعادة القصوى، فلذة السعادة لذة باقية أبداً، لأنها السعادة القصوى التي لا تزول.

وصنف أبونصر (الفارابي) الفنون تصنيفاً اعتمد فيه معيار التلقي الذي يتوضح في بلوغ الفن غايته، فكلما اقتربت الصناعة من تحقيق غرضها كانت أكثر نفعاً للمتلقي، وارتفعت مرتبتها في سلم الفنون، ومن هنا جعل الرقص في أسفل هرم الفنون لنقص وسيلته عن بلوغ غايتها، ثم يأتي النحت والتزويق، والفن الأرقى هو الموسيقى التي تؤدي إلى غايات متعدّدة، وتستطيع بلوغ غايتها بوسائلها المتبعة..

وهي ترتقي بخبرتها لفن الشعر الذي يعلو فوقها، وتساعده على أداء وظيفته، وتعينه على تبليغ خطابه للمتلقي، فالموسيقى تابعة للأقاويل الشعرية، والأقاويل الشعرية رئيسة لصناعة الموسيقى، لذا فإن تصنيفها يرقى فوق الموسيقى، لوضوح غايتها. ثم إنّ اجتماع هذين الفنين وائتلافهما في فن الغناء هو قمة هرم الفنون جميعها.

واهتمام المعلم الثاني بالموسيقى، يبدو طاغياً على اهتمامه ببقية الفنون، فالغناء جزء من الموسيقى، إذ هو يمثّل الألحان الكاملة، وشدد الفارابي على تقارب الفنون في طبيعتها، فالشعر والتزويق لا يختلفان إلا في مادّة الصناعة، وكذلك النحت والشعر يتشابهان في كونهما لعباً، وتتشابه الموسيقى والنحت والتزويق في غاياتها التي تكون للإمتاع فقط وربما تجمع النفع إلى الإمتاع..

وكذلك يتقارب الشعر والموسيقى في آلية تأليفهما، إذ لكلّ منهما إيقاع، توزع عليه: الأجزاء، الحروف في الشعر، النغم في الموسيقى. ورأى أن الصلة بين الشعر والموسيقى كبيرة، فهي تتجاوز الشكل الفني إلى المضمون، إذ إنّ الألحان تُؤلّف لأجل الأقاويل، أو تؤلف الأقاويل لأجل الألحان ليبلغا معاً الفن الكامل.