يسعى كتاب «سوريا.. التحولات الكبرى.. مشكلات الوطن ومستقبل العرب»، لمؤلفه هشام النجار، إلى الإجابة على أهم الأسئلة المثارة حالياً على خلفية الحرب في سوريا، حول موقع العرب من الأحداث، وما طبيعة دورهم ومهامهم ومستقبلهم..

وأين هم من التحالفات والتحولات الكبرى في المنطقة والعالم؟ وهل هم في المكان الصحيح وفي المراكز التي تؤهلهم لحماية أوطانهم ولإنقاذ سوريا والأمن القومي العربي مما يتهدده من مخاطر غير مسبوقة؟

يعالج هشام النجار في كتابه معظم الملفات والمستجدات والأحداث في الحرب السورية، من بعديها السياسي والجيواستراتيجي، مع تحليل موضوعي ودقيق وموثق لمواقف وإسهامات وأوضاع وأدوار معظم القوى الرئيسية المتداخلة في الحرب، وذلك باستفاضة ووفق منهج تحليلي موضوعي استقصائي موثق، معتمداً على عشرات المراجع والصحف العربية والأجنبية

كما يتطرق المؤلف إلى مشكلات الطائفية والتعدد والتنوع الفكري والعقائدي، وهي أهم الأزمات المهددة للحضارة والعمران في سوريا – والوطن العربي، وكذلك ملف «إخوان سوريا» والدوافع والمنطلقات التي تجعل فصيلاً من الفصائل ينقلب على الوطن ليصير مجرد أداة في أيدي الغرب لإنهاك الداخل العربي وتمزيقه.

كما يعالج موقفي: د. يوسف القرضاوي ود. محمد سعيد رمضان البوطي (العلامة السوري الذي توفي من جراء تفجير خلال الأزمة)، من الحرب السورية على خلفية محاكمة الموقفين إلى التاريخ العربي وتاريخ الدعوة وإلى الشريعة ومناهجها.

ويرى مؤلف الكتاب أنه «لا مفر من تحديد ماهية المخاطر والتحديات التي تتهدد مستقبل العرب؛ فالأمة العربية اليوم تعاني بشكل غير مسبوق من مشكلات مستعصية ومعقدة وأعظمها استباحة العمق العربي وإحداث الانقسامات والشروخ الغائرة في جسد العروبة وتأجيج الداخل العربي بالصراعات الطائفية وتكابد ملأه بمشاريع وكيانات وتنظيمات أيدلوجية متصارعة.

ومن ثم بدا العرب، بذا، وبشكل غير مسبوق، عاجزين عن صد اندفاع إيران بميلشياتها العسكرية ومدها الطائفي بسياسات وتكتلات متماسكة فعالة على الأرض، كما يقول المؤلف..وهو ما يهدد الوطن العربي كله.

ويضيف المؤلف: إن «المأساة والكارثة الإنسانية والحضارية في سوريا تستمر، لتفقد أحد أهم الدول العربية ثرواتها ومقوماتها الثقافية والحضارية ومظاهر وعناوين تميزها الشرقي وأركان مجدها التاريخي، وفوق ذلك تفقد شبابها وناسها وأطفالها ورجالها ونساءها وقوتها البشرية المبدعة..

وكذلك تفقد عناصر ومؤسسات وأركان قوتها وأجهزتها العسكرية والأمنية المدافعة عنها، ليرهن مستقبل ومصير وطن وشعب عربي كبير بمصالح الدول التي تؤجل وتماطل في الحلول ريثما تؤمن مصالحها، ذاك بعد أن صارت سوريا مركزاً ومنطلقاً لشرق أوسط جديد وساحة لخلق نفوذ وفرض هيمنة، ليس فقط للدول الكبرى، إنما لدول إقليمية حالمة وطامحة للتوسع، ولا يهمها مأساة شعب أو مصير أمة.

ويوضح المؤلف أن «العرب يواجهون تهديدات تقليص حضورهم ودورهم وسحب امتياز تقرير مصيرهم وتحديد مستقبلهم.. ومنحه لقوى إقليمية غير عربية تتدخل في شؤونهم وتتقاسم النفوذ وتصبح هي المرجعية الإقليمية ووكلاء الغرب في الشرق الأوسط وهما «تركيا وإيران»، لنصبح أمام واقع إقليمي «غير عربي»، وفق ترتيبات وتفاهمات ترهن المستقبل العربي على مدى بعيد لحسابات ومصالح غير عربية، في استعادة لنظام الوصاية الأجنبية من خلال وكلاء إقليميين لفائدة الطرفين فقط..

بينما يبقى العرب على هامش الأحداث والمصالح وتنتزع من زعاماتهم شارات القيادة، بعد القضاء على مصادر القوة العربية وإطفاء عوامل الصمود وإخماد روح المقاومة وتوجيه مشاعر الانتماء والولاء إلى مسارات تهدرها في مستنقعات الطائفية وولاءات التنظيمات (المتشددة) و(كياناتها المسخة).

. حيث خلقت تلك الكيانات والتنظيمات على الأرض من خلال المناطق التي احتلتها – تطلق عليها مناطق محررة – واقعاً مأساوياً يسيطر فيه الإرهاب التكفيري وأمراء الحرب ومنطق الميليشيات، حسب الكتاب، وصارت كل منطقة على مذهب أميرها وأيدلوجيته بقوة السلاح.

ويؤكد المؤلف أن المواقف الأميركية الأخيرة كارثية بالنسبة للعرب، لأن مجرد إطلاق إيران في المنطقة وعدم إبداء حتى الاستنكار والرفض في بيان رسمي لتجاوزاتها ومواقفها العدائية داخل البلاد العربية، يجعل الاعتماد على الولايات المتحدة الأميركية وانتظار تدخلها للحفاظ على التوازن، أقرب إلى الأوهام منه إلى الواقع.

ويعتبر النجار أن هذه التحولات والمستجدات الخطيرة أدت إلى الإخلال بموازين القوى الإقليمية لصالح قوى إقليمية غير عربية من جهة، ولصالح ولحساب إسرائيل من جهة أخرى، والتي تتجهز على أنقاض تلك الصراعات لإعلان نفسها قائدة وزعيمة إقليمية، حيث لم تعد قضية فلسطين أولوية العرب.

لكن مؤلف الكتاب يعد المرحلة والأزمة بمثابة مخاض ولادة – وليس مرض موت – ليتشكل بعدها، واقع عربي جديد، إذ سيسهم العرب بتعاطيهم مع الأزمات الحالية وبطبيعة أدوارهم في صراعاتها، في رسم ملامحه وتحديد جغرافيته وهويته، ويتوقف ذلك، طبقاً للمؤلف، على:

أولاً: مدى قدرتهم على حسم تلك الحروب والصراعات سريعاً لصالح الدولة الوطنية والأمن القومي العربي.

ثانياً: مدى نجاحهم في الحد من التدخلات الإقليمية والدولية وتهميش الدور العربي.

ثالثاً: مدى استيعابهم لدروس العراق، والدرس الأول والأهم هو الحفاظ على «الجيش السوري»، مهما كان الأمر ومهما وجهت إليه من اتهامات.

رابعاً: مدى قدرتهم على خلق توازن بين علاقتهم مع الولايات المتحدة من جهة، وعلاقتهم بروسيا من جهة أخرى.