يؤكد كتاب «الكتابة الثانية وفاتحة المتعة»، لمؤلفه الدكتور منذر عياشي، أنّه ثمّة فعاليتان للمتعة، تنطلق منهما كلّ عملية إبداعية: الأولى: فعالية القراءة، والثانية: فعالية الكتابة. وهما وجهان لفعل واحد، فالقراءة لا تنفك تدور في فلك الكتابة، والكتابة لا تنفك بدورها تدور في فلك القراءة، فإذا حدث ذلك، وصار الفعل مضاعفاً بالفعل الآخر..

فيمكن أن يتجسدا في فعل واحد، هو فعل المتعة. إنّ الإبداع مشروع حضاري، وما نقصده بالمكونات الحضارية، أولها: تلك العلاقة التي تربط بين المجتمع ومجموع الأفكار والمعتقدات والتصورات، وثانيها: اللغة التي تنتقل بها الأفكار من مجرّدها إلى صيغتها، والمعتقدات من غيابها إلى حضورها، والتصورات من تخيّلها إلى تمثيلها.

وهاتان الفعاليتان تعمل كلّ واحدة منهما على تفكيك الأخرى وتدميرها بشراسة، وذلك بغية إنشاء فعالية جديدة تناسبها، وتكون على مثالها صورة وتمثيلاً. ولذا تظل القراءة بالكتابة صائرة إلى مصائر لا تتناهى أبداً، كما تظل الكتابة بالقراءة صائرة إلى مصائر لا تحصى عدداً.

كان الاتجاه في المكتوب العربي قديماً تمثّلاً معرفياً لحضارة النصّ، فأسس بنيانه عليها، وصار صورة ناطقة لها، وتحوّل الذوق فيه إلى لذة، فيها يجوب القارئ أطراف النصّ، وفيها يحدّد معانيه ودلالاته، وأنّ أهمّ ما دعا إليه هذا الاتجاه، هو اعتبار النصّ نظاماً لغوياً يقوم من خلفه نظام الحضارة التي ولدته، ولذا كان الجرجاني يقدّم الكلام على العلوم ويجعله عليها دليلاً، إنه يقول:

اعلم أنّ الكلام هو الذي يعطي العلوم منازلها، ويبيّن مراتبها ويكشف عن صورها، ويجني صنوف ثمارها ويدلّ على سرائرها، ويبزّ مكنون ضمائرها، وبه أبان الله تعالى الإنسان من سائر الحيوان.

وإذا كان اليوم ثمة دعوة إلى تجديد الفكر النقدي العربي وإعطائه اسم «الكتابة الثانية». «أو النقد اللغوي الجديد» أو «لسانيات النصّ»، تقوم أسسه المعرفية على نظام لساني ضمن الشرط الحضاري الحديث.

يبدو موقف «الكتابة الثانية ولسانيات النصّ» من قضية الأدب أكثر انسجاماً، فهي تنظر إلى الأدب على أنه نظام لغوي يقوم من خلفه نظام حضاري، يحتويه نصّ مفتوح تفسّره سياقاته الخاص، وإنها بسبب هذا تؤكد على استقلالية الأدب، ولكنها في الوقت نفسه، تبني الصلة بينها وبينه على أصل مشترك هي «اللغة – الكتابة».

ويشرح المؤلف أنه تنظر اللسانيات إلى النصّ بوصفه كتابة ثانية، لذا فإنها:

أ‌- تعلن انفصال الكاتب عن نصّه بعد أن يجري إنجازه.

ب‌- ترى أن لهذا الإنجاز نظامه الخاص.

واللسانيات تجد أن الأدب نظام لغوي يعبّر عن ذاته، وهي ترفض أي تعريف لها يتخذ من نظام النصّ أساساً له. وبهذا المعنى لا يكون النصّ إنتاجاً للثقافة التي نشأ فيها، ولكنه يكون على مثاله نظاماً، وتكون الثقافة التي نشأ فيها ممكناً من الممكنات التي يحفظها نظامه على نحو مخصوص.

وتنازعت هذا المفهوم عدّة نظريات واتجاهات لسانية، نذكر منها اثنتين: الأولى، تبنّت وجهة نظر سوسير ورأت أن النصّ نظام من الإرشادات. وتبنت الثانية وجهة نظر تشومسكي، فرأت أنّ للنصّ نظاما من القواعد المحدودة العدد يقوم عليها أداؤه.

ونلاحظ أنه أيّاً كان موقف اللساني النظري، فإنه ينتهي دائماً بالنظر إلى النصّ من خلال نظامه، وقراءته على الدوام قراءة ينفتح فيها على تعدّديته وتكاثره وممكناته. وفي الصدد، رأت آراء أخرى، أنّ الأدب إذ يلامس المجتمع لا يعرف بأنّه وظيفة اجتماعية كما يقول ألتوسير.

ذلك لأن هذا التحديد يجهض الأدب، ويحوله إلى أداة للدعاية تخرج به عن طبيعته الفنية، وتصيره فكراً يملى، وهذا يتنافى مع حساسية الأدب وأدبية النصّ.

وأمّا اللسانيات، فتنظر إلى الأدب كونه شكلا يخلق قوانينه وينزاح عنها. ولذا، فهو يبدو بنية من وراء بنية، ونصاً من خلف نصّ، وكتابة من تحت كتابة.