يستعرض كتاب «جدلية المكان والحدث في رواية (رجال في الشمس) للأديب غسان كنفاني»، لمؤلفه د. طلعت عبدالعزيز أبوالعز، القيمة المتميزة والمكانة الرفيعة لهذا العمل الأدبي، ويبين الكتاب أن هناك بعض الأقلام والأعمال الأدبية التي لا تنتظر طويلا داخل خزائن المكتبات والنقاد، ومن بينها أعمال الأديب الفلسطيني الراحل، المقاوم غسان كنفاني. إذ ينبري البعض ويبرر ذلك لكون كنفاني سياسيا وبلغ الأمر حدود اغتياله لمواقفه.

ويستعرض مؤلف الكتاب، مضمون العمل، مبينا أن موجز الرواية وفكرتها تتمثل في حكاية ثلاثة من الفلسطينيين: أبوقيس- مزارع وأكبرهم سنا.

.حيث شهد عام النكبة، أسعد- يمثل الجيل الثاني بعد النكبة، مروان- غلام فقد الوطن وهو في السادسة. وهؤلاء يمثلون هموم ثلاثة أجيال فلسطينية. ورسخ الكاتب الراحل، لكل منهم، مبرراته للهجرة الخطيرة.. الأول لضيق ذات اليد، والثاني هربا من عمه المستغل، وأيضا من السلطات السياسية بفعل اتهامه بالتآمر. والثالث له شقيق في الكويت توقف عن النفقة الهينة التي يرسلها فضاقت الحياة به وبأسرته.

ثم هناك شخصية الفلسطيني «أبي الخيزران»، سائق السيارة التي تقرر أن تقلهم بخزان المياه الكبير المعلق بها.. ولدوره في نقل المياه بين الكويت والعراق، لا يجري تفتيشه على الحدود..

وبذا فهو يستطيع القيام بالمهمة، كما إن الحاج رضا صاحب السيارة، من أثرياء الكويت ويعرفه الجميع عند الحدود. وشخصية السائق تفتقر إلى كل الصفات الحميدة ويعد النموذج البشري للضياع النفسي والفكري. إذ إنه ضاق بكل القيم خاصة وأنه فقد رجولته بسبب الإنفجار الذي نال منه أثناء الاشتراك مع قوات الإنجليز في حروبهم قبل النكبة ولمدة خمس سنوات.

تميز كنفاني أدبيا. ونجح في أن يحدث للمكان إضافات وصفات خيالية، كأن يجعله حياً متحفزاً، فاعلا ومتفاعلا في أحداث الرواية، بحيث يصعب تخيل الحدث من دون رصد مكان وقائع هذا الحدث. لذلك يعد من أهم الأدباء الفلسطينيين المناضلين بالكلمة والدم، وهو من مواليد عام 1936م..

حيث كانت النكبة في عام 1948م، وهو الصبي الذي يعي ما حوله، حينذاك، وترسخ في ذاكرته مجمل الأحداث. ومن بعدها، انتقل للعيش في لبنان ثم استقر في دمشق، وكان في ذاك من ضمن آلاف الفلسطينيين، حيث امتهن التدريس والصحافة، فضلا عن عمله السياسي.. وعرف عنه ممارسة الإبداع والعمل السياسي، ذلك إلى أن اغتيل في عام 1972م في بيروت.

ولا يغفل مؤلف الكتاب أن يشرح في السياق، مدى تميز كنفاني، موضحا أنه شغل المحافل الثقافية والأدبية، قبل اغتياله، لاعتبارات فنية ثقافية، ومنها: هو أول من رسخ مصطلح المقاومة، ومهد الطريق لمن تبنوا تقديم التحليل التنظيرى للمصطلح..

حيث نشر كنفاني كتبه الهامة في مجال المقاومة أدبيا: (أدب المقاومة في فلسطين المحتلة1948- 1966)، «في الأدب الصهيوني»، «الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال»، «المقاومة ومعضلاتها»، (ثورة1936/ 1937في فلسطين).

كما تميز الأديب الراحل بطاقة العمل السياسي المتميزة، وبالمشاركة في القضية الوطنية الفلسطينية، مع إنتاج كم غير قليل من الإبداع القصصي والروائي بل والمسرحي، والترجمة، مع المقالات الصحفية، ذلك على الرغم من موته المبكر.

ويعرفنا المؤلف في شرحه لمضمون العمل، بعد أن يحكي عن شخصيات الرجال الثلاثة، أنه انطلقت السيارة عبر الصحراء، ورويداً زاد لهيب الشمس على السيارة وركابها، وزاد التعارف بين بعضهم والسائق الذي أخذ يتحدث عن تجارب التهريب في الصحراء.

. فلما اقتربت السيارة من الحدود العراقية توقفت السيارة ليختبىء الجميع داخل (الفنطاس) أو مخزن المياه. وهون السائق الأمر عليهم، كون الجو داخل الفنطاس خانقاً وحاراً، موضحا أن الأمر ليس قاسياً كثيرا.فالمأمورية( دورية التفتيش) ستنتهي في ست دقائق لا أكثر.

وفعلياً، كانت تلك تجربة قاسية، ولكنها نجحت وعبروا نقطة التفتيش العراقية، متوجيهن عقبها، إلى نقطة الحدود الكويتية.. وظلت السيارة تمضي فوق الأرض الملتهبة وغاص الرجال الأربعة في أفكارهم، وحينذاك كانت لاتزال الطريق مكشوفة ولا يستطيع السائق التوقف كي يخرج هؤلاء الرجال المُهرَبون. وخلال فترة زمنية محددة، لم تبلغ الساعة، بل إنها أقل، وعندما توقف السائق وكشف الغطاء..

كانت المفاجأة أنه وجد ثلاثتهم جثامين هلكت.. ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل إن هذا السائق عاد ليسرق النقود من جيوب الجثامين. إلا أن السؤال الذي طغى على رأس هذا السائق، لحظة ذلك: لماذا لم يدقوا على جدران الخزان؟!

و هكذا كانت النهاية

ويختتم الكاتب تحليلاته وقراءاته بقوله: «في الرواية نجد أن المكان خضع لعوامل الزمان، وأن الفلسطينيين الثلاثة، خضعوا لسلطة الزمان والمكان، ومن ثم الحدث الدرامي بموتهم دون صراع.. لقد ابتعدوا عن مكانهم (أرض فلسطين)، ومن ثم توارى المكان في طي النسيان، وظهر مكان جديد لم يستقبلهم إلا جثثاً باردة».