يرصد كتاب «نبوءة خراب الصهيونية: العدمية في الأدب الصهيوني بين الأزمة الوجودية وصحوة العربي»، للدكتور حاتم الجوهري، علاقة دالة بين اليسار الصهيوني الذي استمر في العمل السياسي بعد إعلان دولة «إسرائيل» (واستمر في رفع شعارات الصهيونية الماركسية بعد تكييفها مع الواقع)، وبين اليسار الصهيوني الذي اختار العدمية والعبثية (الصهيونية الوجودية) بعد إعلان الدولة؛ فأثبتت الدراسة أن هناك علاقة تراتبية ما بينهما!

ففي بعض الحالات، حاول بعضهم «الإصلاح» في البداية واستمر في العمل السياسي والفكري في محاولة لإصلاح المشروع الصهيوني من داخله، والحفاظ عليه من لحظة الصدام الوجودي الكامن ونبوءة الخراب. ولكن حينما أصيب سعيهم بالفشل؛ اتجهوا تلقائيا نحو «الاختيار العدمي» الذي لا يرى أملا في المشروع الصهيوني ولا مستقبلا له.

وقدم الكتاب مثالين تطبيقيين للتدليل على العلاقة بين اليسار الماركسي واليسار العدمي، بعد إعلان دولة المشروع الصهيوني عام 1948م، الأول: بني موريس مؤسس تيار «المؤرخين الجدد»، حينما شعر بعدم جدوى أطروحاته النقدية ومراجعاته لتاريخ الصهيونية، بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ومن ثم ردته على أفكاره وتبنيه لفكرة الصدام العدمي والعنف. ثانيا:

ما حدث مع إحدى المحاولات التي حاولت تطبيق فلسفة الصهيوني مارتن بوبر فيلسوف التعايش الوجودي بين العرب والصهاينة، والتي طبقها أحد الأكاديميين الصهاينة في فلسطين أواخر السبعينيات من القرن 20، لتنتهي بالفشل مع «الصدام الوجودي» وحرب «إسرائيل» ضد لبنان في مطلع الثمانينيات!.

وفي الجانب التطبيقي، اتخذ الكتاب الشاعر والأديب الصهيوني العدمي دافيد أفيدان أنموذجا لها؛ لما له من مكانة معترف بها في ذلك التيار، فكانت له تجربة شعرية ثرية ذات أثر بارز في أدب ما بعد إقامة الدولة الصهيونية؛ حيث يعتبر من أكثر أفراد جيله تماسا مع قيم:

الفردية والعزلة وكتابة الالتصاق بالجسد ورفض الشيخوخة، والهجرة الجماعية.. وتقف الوجودية كفكرة ومضمون مركزي تنتظم حوله باقي المضامين والأفكار في شعره، فرغم أن أفيدان كالعديد من أبناء جيله تخلى عن الأيديولوجيا كإطار عام وحاكم للإنسان..

إلا انه تعامل مع الوجودية – في طبعتها الصهيونية- من المنطلق نفسه، فكانت هي القيمة الأم التي أثرت وفرضت حضورها على مضامين الشاعر؛ فأثرت على علاقته بـ: المرأة والحب والآخر والذات، والدين والموروث والكتابة والموت والحرب والسلام والدولة...

على مستوى أفيدان كأنموذج لهذه الحالة الشعرية، تطرح الدراسة عدة إشكاليات وفروض لتختبرها، من أبرزها: هل الخيار العدمي أصبح حتميا ولا مناص منه في مشروعه الشعري؟ هل يري أفيدان في مقاربته الأدبية للوجودية أن فكرة «الشعب المتعالي» أو «الشعب الترنسندتالي» هي مصدر الأزمة في الوجود التاريخي عند اليهود!

إلى أي مدى نجح الشاعر في التحقق عبر مضامينه التي انتظمت حول فكرة العدمية؟! وهل وجد مخرجا لأدب ما بعد الدولة أم أن الوجود العبثي أصبح هو البداية والنهاية؟!.

جاء الكتاب في تمهيد وأربعة أبواب، وكل باب قسم إلى فصلين، وكل فصل إلى أربعة عناصر أو مباحث رئيسية في الأبواب الثلاثة الأخيرة: (الأبواب التطبيقية التي تتناول قصائد الشاعر: دافيد أفيدان)؛ وإلى خمسة عناصر أو مباحث في الباب الأول (الذي يتناول الإطار النظري العام للوجودية في الأدب الصهيوني).

شكل التمهيد «الصهيونية والوجودية تعريفاً مبسطاً وتمهيدياً للفلسفة الوجودية، والسياق التاريخي لظهور الوجودية في القرن العشرين، وتناول كذلك الشكل الصهيوني للحداثة وما بعد الحداثة وعلاقتها بالوجودية، وتطرق للأدب الوجودي ونظرته للحرية والالتزام في الأدب، واستعرض الأزمة الوجودية في التاريخ اليهودي، وتحدث عن آباء الوجودية الصهيونية قبل إعلان الدولة وبعده، وأخيرا تناول الدور المزدوج لسارتر في الوجودية الصهيونية.

أما الجزء النظري من الكتاب في الباب الأول (العدمية في الأدب الصهيوني ودور الشاعر)، فقسم إلى فصلين، الأول بدأ بالتعميم ودراسة الوجودية وأثرها في الأدب الصهيوني من جهة العموم.. وجاء بعنوان: الأدب وتطور الصهيونية العدمية، واهتم برصد ظهور التوجه الوجودي في الأدب العبري الحديث وسيطرة النزعة العدمية تحديدا عليه، ودراسة علاقاته المختلفة في سياق الحالة الثقافية الصهيونية وتأثيره متعدد الوجوه عليها.

والثاني انتقل للتخصيص، بعد التعميم في الفصل الأول، ليدرس دور الشاعر: دافيد أفيدان في تيار الصهيونية الوجودية داخل الأدب الإسرائيلي بعد إعلان الدولة، واهتم بحالة أفيدان الخاصة التي مكنته من تولي الريادة في هذا التيار مع التعريف بحياته وإنتاجه الأدبي، فاهتم بدراسة الشاعر والعوامل التي أثرت فيها ومكنته من التماهي مع ذلك التيار واعتلاء مكان الصدارة فيه، وجاء الفصل تحت عنوان: دافيد أفيدان وطليعة العدمية الصهيونية.

أما الجزء التطبيقي من الكتاب فجاء في ثلاثة أبواب، من الثاني وحتى الرابع تتناول الأعمال الكاملة للشاعر، وتدرس تناوله للحالة الوجودية وكيف انعكست على مجمل القيم عنده، وكيف كانت لها الغلبة، وكيف كانت بمثابة القيمة المركزية الأم التي أثرت على باقي المضامين في طرح الشاعر. وجاء أولها الباب الثاني بعنوان: الأزمة الوجودية والخيار العدمي عند الشاعر..

وكان الفصل الأول في الباب (تمثلات الخيار العدمي) هو الفصل الذي استدعى فيه الشاعر ذاكرة الحدث العدمي وتكراره عبر التاريخ اليهودي. وضم الفصل : المصير العدمي والوجود العبثي، السؤال الوجودي.. والبيت الرمز الصهيوني، الأبوكاليبسية والكارثة والنهاية والظلمة، الدمار وتكرارية الحدث العدمي في الذاكرة اليهودية. وتناول الفصل الثاني: (الموت كخلاص من الأزمة الوجودية).

ورصد الباب الثالث (الدين والآخر والأزمة الوجودية عند الشاعر).وتناول الباب الرابع (المرأة والكتابة والذات والعجز الوجودي عند الشاعر)، إذ بحث الشاعر عن بديل وجودي يعوض فشله في التحقق على المستوى الجماعي والعام، وبين ان علاقة الشاعر الصهيوني مع الذات ومع المرأة اتسمت أيضا بالعجز الوجودي، وسيطرت على الشاعر من جراء ذلك حالة من الاغتراب الوجودي العميق عن الواقع الصهيوني مصدر الأزمة، وعن الذات كذلك لعجزها عن التغيير.