يبحث كتاب (بساطة العلم) لمؤلفه المهندس فايز فوق العادة، في جملة من القضايا العلميّة المعاصرة، تبدأ من الرياضيات وبساطتها، والمعلوماتيّة وماهيتها، والثقوب الكونيّة السوداء وتصنيع البروتينيات ونظريّة النسبيّة والمدن الفضائيّة والساعات المعاصرة. وتنتهي عند ظواهر كونيّة محيّرة.

ويؤكد المؤلف أن العلماء يتحدثون عن قوى الطبيعة، ولا يتوقفون كثيراً عند القوى النفسيّة المقابلة، ومنها الإرادة والإبداع. إنهم يتصورون مجالات فيزيائيّة مؤثرة كالمجال الكهرومغناطيسي، ومجال الجذب الثقافي وسواهما، ولا يأبهون للمجال النفسي المتمثل بكليانية الفكرة. ويعامل العلماء العالم باعتباره جسيمات مركّزة متناثرة، ويكتفون بإشارات عابرة إلى المركزيّة الدماغيّة للفكرة.

يُشير الكتاب إلى تداخل الذات بالوجود، تماماً كما تتداخل حياة المحيطات والبحار باليابسة، لذا كانت تجزئة الكرة الأرضيّة إلى كرتين، إحداهما صلبة والأخرى سائلة، مجرد تجزئة اصطلاحيّة. هذا هو شأن الذات والوجود. فنحن لن نستطيع إيقاف الزمن للحظة تقرر الذات عندها أولويتها على الوجود، أو يكون للوجود عندها أولويّة على الذات.

والسؤال: هل ينسحب مبدأ البساطة على ثنائيّة الذات والوجود؟ إذا أقررنا بأن الذات تنبثق على هامش صيرورة فيزيائيّة كونيّة مديدة، فهذا يعني أن تمتع الذات بدورها قيمة وجوديّة للكون، وفهم هذا الثنائيّة، على هذا النحو إبداع علمي صرف، ينم عن بساطة العلم.

فالموسيقى في المنظور الفيزيائي (بحسب الكتاب)، مجرد موجات صوتيّة تنتقل عبر الهواء في انضغاطات وتخلخلات متتالية، أما غاية الفيزياء، كما يُقرر أينشتاين، فهي ليست اكتشاف العلاقات القائمة بين الأشياء الماديّة، وإنما العلاقات القائمة بين الأحاسيس. فالعالم الواقعي هو مركّبات من الأحاسيس، وغاية القوانين هي تصنيف الأحاسيس وحسب.

على هذا الأساس، فإن علم الفيزياء يتحول لدى كبار الفيزيائيين إلى علم نفس، والقانون الفيزيائي الأصح هو القانون الأبسط والأجمل المكوّن من منظومة باطنة تُحقق تناغماً أعلى في العالم الداخلي للمبدع الذي يُترجم الفعل الإبداعي في أبجديّة معينة. فالرموز الرياضيّة هي أبجديّة الألحان والسمفونيات، إلا أن هناك فارقاً بين المبدع في مجال الفيزياء والمبدع في مجال الموسيقى.

ففي حين يستطيع الأول أن يُعلّق بإسهاب على صيغة رياضيّة أبدعها، وأن يُفسرها في عبارات خطابيّة واضحة، يعجز الثاني عن شرح إبداعاته في نصوص خطابيّة مُفصّلة وواضحة، ذلك أن الطبقات النفسيّة المفسرة للعلامات الموسيقيّة، أعمق وأبعد من نظائرها المفسّرة للرموز الرياضيّة والأبجديات اللغويّة، وهي بذلك أشد صلة بالبنيويّة الجوهريّة الكونيّة، من حيث أنها تبدو المسؤولة حتى عن وجود تلك البنيويّة.

من جانب آخر، ينظر الكثيرون إلى الرياضيات على أنها علم غامض وصعب، ويكتفون باختيار الامتحانات الخاصة، من دون أي محاولة لسبر أغواره، والاستمتاع بجمالياته. أما الحاسوب فانطلقت فكرته من محاولة نمذجة الظواهر الطبيعيّة، وعُرّفت الحواسيب الأولى بالحواسيب التماثليّة.

وكانت تُحاكي الظاهرة بدقة، وقد شاهد الكثيرون شاشة تُتابع نبضات قلب المريض. وما يجري في الحاسوب التماثلي، يجري في قلب المريض، والعكس صحيح، إذ تحتاج كل ظاهرة لحاسوب تماثلي خاص بها، وهو أمر صعب التحقيق على الصعيد العلمي، لذلك تحوّل العلماء بسبب ذلك إلى الحاسوب الرقمي، حيث تُترجم الظاهرة إلى مجموعة من الأرقام والعلاقات التي تربط بينها.

وكما تُسيّر السيالة العصبيّة، أعضاء الجسم، تقدح المعلومات العمل وتحرّكه. وحيث إن لكل ظاهرة كموناً خاصاً لها (كما يُشير الكتاب)، فإن المعلومات هي كمون الإنجاز الواعي، وفق قاعدة الأداء، لكن استجرار كميات كبيرة من الطاقة لصالح الصناعة المعاصرة يُخلّف أذيات بيئيّة كبيرة تتوسع على الدوام. فالصناعة اليوم ممتدة وشاملة، وعلى الرغم من تحوّلها السريع إلى الإدارة المعلوماتيّة الصغائريّة، فإن أحداً لا يستطيع دفع أخطار التلوث بعيداً.

بالمقابل، وحسب الكتاب، فرضت الألفة علينا منطقاً أرضياً محدداً بمعنى من المعاني. إننا نخرق تلك الألفة بأفكارنا لنبني كوناً بعيداً كل البعد عن وتائر حياتنا ومقتضياتها اليوميّة. كان بمقدور بعض العباقرة أن يتحدثوا عن أرض تدور حول الشمس، في الوقت الذي ينفي التعود فيه هذا الاستنتاج لينبهنا إلى أن الشمس هي التي تقطع القبة السماويّة في حركة دائريّة..

وعلى امتداد أرضنا التي توحي بأنها مسطحة. نفى المفكرون الكبار ذلك، ليؤكدوا أن الأرض كرويّة. إن قصر قامة الإنسان وصغر جهازه العصبي هما المسؤولان عن تبني مفهوم استواء الأرض. لكن السؤال الأهم، حسب الكتاب: هل توجد في الكون كائنات حيّة مصنوعة من المادة المضادة؟ إن كانوا موجودين حقاً، فمن المستحيل أن نلتقي بهم، نحن سكان الأرض، لأن ذلك يعني الفناء لنا ولهم!