يؤرخ كتاب «كمال الصليبي.. أستاذي والتاريخ (1973-2011)»، لمؤلفه محمود شريح لسيرة الباحث والمؤرخ كمال الصليبي، على امتداد قرون أربعة، إذ جمـــعته به صداقة متينة وحميمة، منذ أن كان طالباً جامعياً في صفوفه، وحتى يوم وافـــته المنية في العام 2011.
ويبين الكتاب أن الدكتور كمال الصليبي آخر المؤرخين الحقيقيين في بلاد الشام، بشهادة أستاذه نبيه أمين فارس، الذي افتـــتن الكاتب بفكره وسعة اطلاعه وثقافته. فكان من رواد صالونه الأدبي أو ما كان يُعرف «بديوانية الاحــد»، حيث يتسقط أحاديثه ومروياته ونقاشاته بشغف واهتمام.
ويؤكد الكاتب على ملازمته أينما حلّ في السنوات العشر الأخيرة، من عمره.. إذ يكاد لا يمر يوم من دون أن يلتقي به أو أن يجلس الى مائدته أو أن يصطحبه، خارج مسكنه غير البعيد عن مكان سكنه «إذ جمعنا حيٌ واحد في رأس بيروت على جانبي شارع الصيداني المحاذي للجامعة الأميركية».
الكتاب إذن ذكريات ومشاهدات، أرادها شريح أن تكون فصلاً من حياة كمال الصليبي، التي لم يلحظها في مذكــراته الشخصية «طائر على سنديانة».
ويلفت المؤلف إلى أنه ولد الدكتور كمال الصليبي في بيروت عام 1929. وكان نمـــوذج الأكاديمي المثابر، ويتباهـــى بكونه مصرياً بحكم ان والده كان يحـــمل الجنسية المصرية، مكافأة له على خدمـــته طبيباً في الجيش المصري في السودان عام 1925. وكان راوي قصة من الطراز الاول، تُسعفه ذاكرة متوقدة، تُلمّ بالتفاصيل والجزئيات.
عشق الصليبي الموسيقى واتقن العزف على البيانو. كما عشق الزهور والشتول وانكب على العناية بها والتفنن فــــي تزيين شرفات منزله بشتى أنواعها.
كان كمال الصليبي، كما يذكر عنه المؤلف، نهما لمطالعة كتب التراث، لا سيما الشعر منها، وافتتن بالمعلقات وحفظ أبياتاً منها عن ظهر قلب، حيث كان يحلو له أن يستظهر بعض أبياتها ويتغنى بإنشادها على مسمع مجالسيه في «ديوانية الاحد».
ويرى الكاتب في معرض سؤاله عن طقوسه في التاريخ، أنه كان يقرأ حول الموضوع المعني، قبل ان يعمد إلى التدوين. ثم يتصور الأحداث التي جرت ويتخيل الوقائع التي انصرمت مدونا أبرزها ومُعيداً النظر بما يؤرخه على الدوام.
ويرى الكاتب أن كمال الصليبي في كتابه «مُنطلق تاريخ لبنان (634 - 1516)، نقل صورة لبنان التاريخية من حيز الأسطورة الى حيز الحقيقة، عبر دراسته لتطور العوامل المحلية والإقليمية والخارجية، التي تمخضت عن ظـــهور الكيان اللبناني بحدوده التاريخية.
فالتاريخ اللبناني، بحسب مقولته، هو نتاج لاستمرارية الأحداث منذ الفتح الإسلامي حتى بدء الفتح العثماني، اضافة الى المسيرة المارونية والدرزية التــــي أسهــمت في اثراء الكيان اللبناني.
أما في كتابه «التوراة جاءت من جزيرة العرب»، فزعزع كمال الصليبي الفكر التوراتي الغربي.. بحث في جغرافية التوراة ووجد أن البنية التاريخية للتوراة لم تكن في فلسطين بل في غرب الجزيرة العربية، وتحديداً في بلاد السراة بين الطائف واليمن. وهذا يعني أن بني إسرائيل من شعوب العرب البائدة.
وفي الكتاب، ثبتٌ للمقابلة التي أجراها المؤلف مع كمال الصليبي وظهرت في صحيفة النهار البيروتية بتاريخ 15 مايو 1983. وكان عنوانها:«كمال الصليبي: لا كتابة تاريخية قبل المعرفة الجغرافية...» وفيها اضاءات على مفهوم الباحث للكتابة التاريخية وحول نظرته الى كتابات من سبقه من المؤرخين وتقييمه للحركة الاستشراقية. إلى أسئلة خاصة حول طقوس الكتابة: متى يكتب وأين وكيف؟
ويمثل الكتاب في العـــموم، مســـاقاً دراسياً شاملاً، رغم صغره، يضيء من خلاله المؤلف على محطات حياة وعطاء كمال الصـــليبي، عاكساً رفعة مكانته وفرادة قيمته كباحث ومؤرخ.
