يعرض كتاب «التحدي.. رؤية ثقافية لمجابهة التطرف والعنف»، للدكتور إسماعيل سراج الدين؛ مدير مكتبة الإسكندرية، رؤية ثقافية لمجابهة التطرف والعنف وكيفية تحدي التيارات المتطرفة بيننا:كيف نتحداها فكريّاً، وكيف نستطيع استعادة تراثنا الثقافي من براثن أولئك الذين يسعون لاستغلاله، ويحاولون تسخيره لأغراضهم السياسية الخاصة بهم.

ويضم الكتاب ستة أجزاء؛ يتناول المؤلف خلالها الثقافة في مصر والعالم العربي، نظرة إلى المستقبل من خلال الثورة المعرفية، علامات وأسباب التطرف والعنف، ديناميكية التغيير الثقافي، عناصر الاستراتيجية الثقافية، والبرامج الثقافية الخاصة. كما يضم الكتاب: ملاحق للأعلام، الأعمال الفنية والثقافية والحضارية، المصطلحات العلمية، المؤسسات والمعالم العلمية والثقافية والحضارية.

ويقول سراج الدين في مقدمة الكتاب، إن ما يعانيه العالم العربي من توتر ألقى بظلاله العنيفة على دول كثيرة، وما يحدث في العراق وسوريا والصومال وليبيا وأخيراً اليمن، يؤكد ضرورة أن نسائل أنفسنا مساءلةً نقدية: لماذا أصبحت بلادنا - بلاد العرب والمسلمين- أرضاً خصبة للفكر المتطرف والعنف؟

ويرى أن هناك حالة جديدة من الفوران الشبابي تنتشر في كل مكان، وظهر التعبير السياسي للحركات الشبابية خلال ثورات الربيع العربي في 2011 وما بعدها. وسيطرت القوى الدينية المنظمة على الكثير من تلك الثورات، وأدت الانقسامات في العديد من المجتمعات إلى فوضى وحروب أهلية، وظهرت الأشكال الأكثر تطرفاً من الإرهاب الهمجي الذي طفا على السطح على يد القوى التي تلقب نفسها باسم «الدولة الإسلامية» في العراق والشام (داعش).

ويبين سراج الدين أن ما سبق كان نتيجة لمزيج من عدة تيارات تاريخية ومجتمعية عريضة، ومنها: الإفلاس الفكري للعديد من الأنظمة العربية على مدى فترات طويلة من الحكم سابقة على ثورات الربيع العربي، حيث عجزت تلك الأنظمة عن تجديد العقد الاجتماعي بشكل حقيقي، فكان أن وقع إفلاس فكري كبير أدى إى تجذر التعصب والعنف.

عودة

أما السبب الثاني فهو عودة ظهور الإسلام السياسي مرة أخرى، بعد أن استمر قمعه لمدة طويلة من قبل الخطاب السياسي القومي والعلماني، ولكنه اكتسب زخماً جديداً بفعل عوامل عدة. و«تفاقمت» تلك الأوضاع وغيرها بعد عودة «العرب الأفغان» الذين تحالفوا مع المجاهدين الأفغان ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان، ما أدى إلى اعتلاء طالبان سدة الحكم هناك.

ويقول المؤلف إن الغزو الأميركي للعراق في 2003، وما تبعه من فشل في إدارة الانقسامات العرقية والدينية الشديدة في ذلك المجتمع، إضافة إلى الحرب الطويلة التي شنتها أميركا وحلفاؤها في أفغانستان..أبرز الأمور التي ساهمت في تأجيج مشاعر الظلم التي غذت الاستعداد النفسي لدى الأغلبية المسلمة لقبول مواقف أكثر تطرفاً من شأنها استعادة القليل من احترام الذات والكرامة.

ويعد من أهم تلك الأسباب أيضاً : استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وضعف القيادة الفلسطينية، ظهور بيروقراطية استبدادية قوية.. وخاصة في مصر. بزوغ التعصب

ومن ثم فإن بزوغ التعصب والتطرف يمثل نبذاً لواقع متشابك ومعقد، واقع يتسم بالتعدد في مستوياته وهوياته. التعصب هو محاولة لرفض المساواة في النوع والديانة، والعنف هو السعي لفرض الإرادة بالقوة. وكثيراً ما يستمد اللجوء للتطرف والعنف قوته من الحميَّة الدينية، ومن الهويات المحلية المجروحة لشعوب تشعر بالظلم من أجل حشد قواه ضد الآخرين.

ويقدم المؤلف تحليلاً للمشهد الثقافي في مصر والعالم العربي اليوم. فهو يرى أننا نشهد في الوقت الراهن تزايداً ملحوظاً في أعداد الأعمال الإبداعية الجديدة المنتجة، سواء في الرسم أو الكتب أو الأفلام أو التلفزيون أو الموسيقى، ونجد أن الشباب المهضوم حقه يحمل مشعل الفن والثقافة العربية..

في حين أن الأعمال التجارية ذات المستوى المتواضع تستمر في السيطرة على الأسواق، ويمكننا تتبع هذا التوجه منذ السبعينيات من القرن الـ20 وحتى الوقت الراهن.

الثقافة تواجه

ويشير المؤلف إلى أنه على الرغم من تدهور الحال اجتماعياً واقتصادياً في العالم العربي، حالياً، تدهوراً غير مسبوق؛ فإننا نجد ارتفاعاً ملحوظاً بوجه عام في النشاط الثقافي، فالأدب والسينما والمسرح والموسيقى تشهد كلها ازدهاراً عجيباً يشير إلى حالة فصامية. ففي معظم البلدان باستثناءات قليلة واضحة..

فإن النخبة القديمة المسيطرة على المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية ترفض إفساح المجال لازدهار المواهب الشابة. وأدى ذلك إلى مناخ لم يشجع إلا المواهب المتواضعة، وكبح قدرة الشباب على المبادرة، كما خلق فجوة واضحة بين الأجيال تفصل بين النظام في بعض الدول، من جهة..

والجيل الشاب من الفنانين والمثقفين والقادة السياسيين المحتملين من جهة أخرى. ما زاد من الانفصام الذي حدث نتيجة تبني الجيل الشاب للتقنيات الجديدة الخاصة بثورة المعلومات والاتصالات التي حولت شكل الحياة جذريّا، تلك الثورة التي لا يكاد آباؤهم يفهمونها، ناهيك عن أن يتمكنوا من أدواتها.

ويؤكد سراج الدين أن هناك نمواً قوياً في العديد من الصناعات الثقافية، وتسارع هذا النمو بفضل جيل شاب من الفنانين، وخاصة عقب الربيع العربي، ولكن تلك الجوانب تتوازى مع تنامي التعصب الذي تظهره الأنظمة الشمولية، وتصاعد التشدد من جانب مجموعات تستخدم السلاح لتحقيق أشكال متطرفة من الإسلام السياسي.

ويشدد سراج الدين على حتمية أن نواجه ظاهرة التطرف والعنف في مجتمعاتنا بوصفها ظاهرة ثقافية، وينبغي علينا فهم الآليات المسببة لنموها وتمددها.