يقع كتاب «الخسيس والنفيس.. الرقابة والفساد في المدينة الإسلامية»، لمؤلفه الباحث اللبناني د. خالد زيادة، في ثلاثة أقسام، الأوَّل يحتوي أربع دراسات: الرقابة والمدينة، نطاق الرقابة، الخسيس والنفيس، المهن على مشارف الحداثة. بينما يضم الثاني دراسةً واحدة: اللهو والمدينة.
أما الثالث فيشتمل على دراستين: الدولة والمدينة، الفساد والدولة. ويرى المؤلِّف أنَّ بحثه محاولة لمقاربة مسألة الفساد والإصلاح «في التجربة التاريخية الإسلامية - العربية».. ويبدو الكتاب، في العموم، كما يقول المؤلف، محاولة لتفكيك جملة قضايا في الخصوص، بالعودة إلى مصادر تاريخية متنوِّعة.
وعن مسائل وجوانب قضية: المدينة التقليدية والمدينة الحديثة، يرى الباحث زيادة أنَّ المدينة التقليدية واجهت التحدي الذي مثَّله قيام مؤسَّسات وهيئات تمثيلية، مثل مجالس الإدارة والبلديات ونشوء النقابات التي ترتبط جميعها بالقانون الذي تجسِّده الدولة، التي لم تعد ممثَّلة في السلطان أو العاهل أو الوالي..
ولكنها أصبحت مفهوماً مجرداً تفرض القوانين على الذين اكتسبوا صفة المواطنين، بعد أن ارتسمت معالم الدول جغرافياً. وتماهى الوطن في الدولة، كما تماهى الفرد في الوطن، الذي هو مثالٌ أو فكرةٌ تتجاوز الجماعات والطوائف والعشائر والإثنيات، وبذلك انتصرت الدولة على المدينة. المدينة التي قطعت شوطاً بعيداً في تبني الحداثة، ليس بفضل القوانين..
وإنما بسبب جاذبية النموذج الغربي وتفوقه في مجالات الخدمات، فضلاً عن تأثير الأفكار التي أصبحت سمة العصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر..
والتي أضحت تتجلى في الآداب والفنون، فانزوت المدينة التقليدية، ليس كحيِّزٍ مكاني فحسب، ولكن كنمط وطريقة للعيش. فقامت المدينة الحديثة وهو ما خلق حالة تشبه الزلزال للتقاليد الفقهية والمؤسَّسات الدينية، والتي لم تجد ضالتها إلا من خلال تحوُّل الموروث الديني والفقهي عبر تشكيل حركات إصلاحية وأصولية، تريد أن تحيي السلف.. وإخضاع الأفراد والمجتمع للشروط التي وضعها الفقهاء لتنظيم أحواله ومراقبته.
ويخلص المؤلِّف في الختام -في إشارة إلى التطرُّف الديني- إلى أنَّ النظام الإسلامي الذي تقترحه الحركات الإسلامية المتطرفة يدل على فهم خاطئ تماماً للنص ولفكرة الدولة..ويعارض التطورات العصرية.
