يلفت كتاب «السلفيون والسياسة»، لمؤلفه د.محمد حافظ دياب، إلى أنه هناك قدر كبير من المغامرة عند مقاربة السلفية، إما بسبب جوهرها وحقيقتها، من حيث علاقتها بالإسلام كمفهوم له أم كتطبيق لشريعته. ويبين أنها تتعلق بالعقيدة والتشريع وفي السلوك والحكم والاقتصاد. ومن هنا كان من الضروري التعرف على السلفية وبيان علاقتها بمفهوم مواز لها، وهو الأصولية.

السلفية فى المعجم أدرجت كونها غرضاً للتعبير عن النزوع للاعتداد بالماضي واحترامه والالتزام به.. على أن هناك من يرى أن كلمة السلف يدخل فيها كل مجتهد من علماء الإسلام، في أي عصر وحتى لو لم يكن من الصحابة أو من تابعي التابعين.

وهناك المفهوم الذى يعتبر السلفية كونها الموقف النظري الإيديولوجي الهادف لبلورة رؤية إسلامية لقضايا الوجود الإنساني. ومع تعدد الفهم للسلفية كانت هناك عدة طرائق للفهم الفكري، فهناك فصيل يرى الفهم يقف عند ظاهر النصوص المؤسسة (القرآن- السنة). وفصيل آخر يرى أعمال العقل والتأويل فى الفهم على درجات متفاوته من الإسراف أو التوسط أو الاقتصاد.

وهذا التنوع هو ما جعلها تبدو على فصائل غامضة الأفكار، ربما لتعدد التعريفات، وهو ما يلزم معه الاكتفاء بالاقتداء بالصحابة والتابعين لهم والأئمة الأربعة ومن سلك نهجهم، من دون مسلك مبتدع كالخوارج والروافض والمرجئة والجهمية والمعتزلة.

وربما بسبب هذه الملاحظة قدم الشيخ محمد عبده تعريفه للسلفية: إنها «فهم الدين على طريق سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، أو الرجوع فى كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى».

ورغم تباين التعريفات حول السلفية، احتكرتها واشتهرت بأبرزها المجموعة التى غلّبت النص وفهم ظاهر النص على غيره من سبل أخرى.

وخلال النصف الأخير من القرن العشرين كان الظهور البارز للحركة الإسلامية، وشارك رجال الغرب فى تعريف الفكر الجديد، حتى غلب مصطلح «الأصولية الجديدة» للمفكر الفرنسي أوليفييه روا.

وأرجعها المفكر الفرنسي إلى جمال الدين الأفغاني، التى عنت لديه تفادي التقليد الديني المتحجر والتاريخ السياسي الذي تعرض فيه المسلمون للاستعمار، من خلال العودة إلى النصوص الأصلية، ونموذج المجتمع الذى كان قائماً فى عهد الرسول الكريم محمد (ص).

بينما يردد المفكر السوداني حيدر إبراهيم بتوحيد المعنى والدلالة بين السلفية والأصولية، بسبب اتخاذهما من السلف والعودة إلى الأصول مرجعية وحيدة. وبالمقابل، يرى المفكر بروس لورانس، أن حركات الأصولية السلفية فى اليهودية والمسيحية والإسلامية، هى رد فعل ذاتي على الآثار والمترتبات المجتمعية للحداثة المرتبطة بفكرة سيادة العقل وليس للتحديث.

وخلص لورانس إلى أن القول بالأصولية والسلفية بمثابة رد فعل على الحداثة، ونتيجة الحداثة معاً. ونظراً لعدم الحسم فى أمر العلاقة بين الأصولية والسلفية، انتهى المستعرب الأسباني بيدرو مونتابيث، إلى أن يطلق على كليهما مصطلح «الروحية الجديدة».

اللافت أن البعض بحث فى مراحل النزعة السلفية، وهي على أربع مراحل: الأولى تضم الوهابية والسنوسية والمهدية، وهي التى دعت إلى العودة إلى المنابع.. الثانية واكبت فكر النهضة ويمثلها الأفغانى محمد عبده ورشيد رضا والكواكبي وعبدالحميد بن باديس وشكيب أرسلان وعبدالقادر الجزائري وخير الدين التونسي.. وكلها لا تبتعد عن أساسيات السلفية.

أما المرحلة الثالثة فهي حركة الإخوان المسلمين، القائمة على فكر حسن البنا وسيد قطب، والمرحلة الرابعة عهد مرحلة الفكر الإسلامي الجديد. وفي خلاصات أبحاث الكتاب، يوضح أن الأصولية الجديدة، غلّبت الفهم المحرّف للنص، وتعاطت مع التطورات العصرية برؤى مغلقة.