نتبين في كتاب/‏ ديوان "أحدِّق في عَتمتِها"، للشاعر محمد غبريس، وكأن مؤلفه في تحديقه هذا، يريد أن يؤكِّد أنَّ العين أكثر إحساساً في إبصارها من بقية الأحاسيس، وأنَّها الشاهد الذي يرغم الجملة العصبية على كتابة القصيدة، فهي من يمرِّر له الصور ليقرأ ويحلِّل ويعدِّل، ليفرِّق بين الإنسان والحيوان، ليقبض على الأبعاد الثلاثة، ليقف أمام المقعَّر والمجوَّف والمحدَّب، الطويل والقصير، لنذهب من النفعي إلى الجمالي، من الغرائزي إلى العقلاني: مرّ عمرٌ/‏ وأنا أغرقُ في كنه العذاباتْ/‏ كلَّما عانقتُ ریحاً بدمي/‏ أدمنتُ في شھوتھا التیه/‏ وعلَّقت بھا مصباح ظلِّي. لا تمتْ/‏ قبل أن تتدفَّق ملء الشذا/‏ والحنینِ/‏ وأنْ تتدلَّى غماماً على كتف الأفقِ.

وطبعاً الذاتي عنده لمَّا كان مقيَّداً لم يكن يتوقَّع أو أنَّ (بصره) سيقوم بتجسيم الفواجع، وحتى تقطيرها. فلا عقلانية الشعر تقول ما لا يُقال – تكشف ما لم ينكشف. وأنَّ الشعر خصمٌ إذا لم يكن عدواً للعقل، لأنَّه يذهب إلى النشوة- يحقِّقها: ھنا في الطریقِ إلیكِ/‏ أمرُّ بأحداقكِ الھائجاتِ/‏ لعلّي أطیلُ التعرِّي/‏ أمامكِ/‏ مشتعلاً بانتمائي للھفةِ عینیكِ/‏ ثمّ أعود وحیداً إلى أرجوانِ السریر أموتُ اشتیاقاً/‏ وأحیا حلیف التشّردِ بین یدیكِ/‏ ھنا في الطریقِ إلیكِ.

ثمَّة استعارة بصرية.. صورٌ من خيالٍ وتخيُّل. ولكن يخلقها بالكتابة، التي لا يريد أن يحيلها إلى تجريد، بل إلى مجرَّدٍ محسوس، إلى مضمرٍ وحاضر في نبراتِ ومتتاليات وتسلسل صوره.. كلماته التي تشهد وتنطق: آه یا قلبُ أمازلتَ ضعیفاً خاشعاً من فرطِ ذكرى؟/‏ طفْ بعینیھا وصلِّ/‏ إنني حدَّقتُ في عتمتھا/‏ بحثاً عن الضوء/‏ وعن ذاتي وكلِّي.

وكأنَّ غبريس في كتابه، يحرِّر الحب الأنثوي، حب الأنثى من عبودية الذكر.. من الشبقية. ويحقنه بمصول الطبيعة والسلام والسعادة، وهو يفلت.

ونلاحظ أنَّ محمد غبريس في قصائده عن المرأة يحاول أن يُرينا حبَّه لها، الحب وهو ينمو عنده من قصيدة إلى قصيدة. لذا فإن غبريس هو في حالة حب وللمرأة، لدرجة يمجِّدها تمجيداً عبادياً. فهي محور الحدث.. هي هدوءه وصخبه.. قيده وحريَّته: أمرُّ بحارتنا في التلالِ/‏ ألاحقُ وجھكِ/‏ في سنبلاتِ الحقولِ/‏ أشمّكِ في الیاسمین المعلَّقِ/‏ في الشرفاتِ/‏ وأرسمُ قلباً على شكلِ طیرٍ ووطنْ. وهذا أجمل الحب.