يتعرّض كتاب «عمر أبو ريشة والفنون الجميلة»، لمؤلفه الدكتور أحمد زياد محبّك، لظاهرة متميزة عني بها الشاعر الراحل عمر أبو ريشة (1910- 1990).
وهي صلة الشعر بالفنون الجميلة، إذ تجلت هذه الصلة في شعره بشكلين: الأول استلهام الفنون الجميلة وكتابة القصيدة بوحي منها، والثاني هو محاكاة الفنون الجميلة ولاسيما الرسم والنحت والعمارة. وأقدم نصّ للشاعر: قصيدته «جان دارك» التي ترجع إلى عام 1935، مستوحاة من لوحة في معرض اللوفر في باريس.
وتغدو القصيدة أشبه بالقصة، بما فيها من متانة في البناء، ووحدة في الشعور وقلة في الشخصيات واختيار لحالة نفسية تنبثق منها كلّ المواقف. ونهاية، فيها الإدهاش والمفاجأة ودعوة إلى إعادة فهم القصيدة من خلال النهاية.
ويستوحي الشاعر الآثار القديمة، إذ مرّ بصرح روماني، وأوحى إليه بقصيدة عنوانها «طلل» ترجع إلى عام 1937، وفيها يستوقف الشاعر قدمه لتعبّر عن ذهوله أمام هذا الصرح، وكيف انقلبت فيه الحياة من سعد إلى نحس، ومن عمار إلى خراب، ويدهش أمام حجارته التي لا تزال صامدة.
ويستلهم الشاعر من الرقص قصيدته «عودة الروح» ـ عام 1951، وهي مستوحاة من رقصة زنجية. كما أنه فتن بمعبد هندي قديم: «كاجوراو» فاستوحى منه قصيدته المسماة بالاسم ذاته، ومن المرجح أنه نظمها عام 1957، وهي أقرب ما تكون إلى المذهب «البرناسي» الذي يضبط الجنوح العاطفي بالعقل، ويرفض طغيان الذات الفردية أو الاستغراق في الخيال.. إنّه يتطلع إلى سمو الفن والارتقاء به إلى الجمال المطلق.
ويزور الشاعر الراحل أبو رشية «تاج محل» في الهند، فيكتب قصيدة عنوانها «حبّ الأرض». وفي قصيدة تعود إلى عام 1935، عنوانها «شاعر وشاعر» يرسم عمر أبو ريشة ثلاث لوحات للفجر والظهيرة والمساء. وعلى المنهج نفسه في التصوير، يرثي الشاعر عمر أبو ريشة سعيد العاص في قصيدة نظمها عام 1935، عنوانها «شهيد»، وفيها من معاني التجديد والصور المبتكرة وبناء القصيد المتميز ما يدل على شاعرية مختلفة.
