يحاول كتاب «شاعرتان من مُرَّة: عفيفة وحُرّة» للباحث حسن شعبان حمد، الإحاطة بحياة الشاعرتين: ليلى بنت لكيز المعروفة باسم «عفيفة» وجليلة بنت مُرّة المعروفة باسم «حُرّة»، ويقف عند أشعارهما وأقوالهما وما قيل فيهما، وبالتالي التدقيق بصحة وجودهما من عدمه، محللاً ومعللاً وناقداً وناقضاً «في آنٍ معاً» لشاعريتهما «بحسب مقدم الكتاب منهال الغضبان».
همه كشف الحقيقة في بحثه العلمي هذا، المتكئ على مراجع وإحالات كثيرة، حاول بها ومن خلالها، إزالة بلبال الظنون، عبر النقد والتحليل والمقارنة، التي استقاها من أجدادنا العلماء، فكان ميزان العقل والتأريخ في مواجهة الكذب والتدليس، وكان الحَسنُ عند (حَسَن) ما يقبله العقل، ويصبح لدى الذوق السليم، ما جعل من الكتاب لبنة جديدة تُضاف على مدماك الدراسات التي تناولت الأدب الجاهلي.
الشاعرة الجميلة
بعد أن يستعرض الكتاب واقع قبيلة الشاعرتين: نسباً وموقعاً ومعيشةً وديانةً، وأشهر رجالها ونسائها وحروبها التي عُرفت بحروب «داحس والغبراء» يتوقف عند حياتهما وأشعارهما. فالشاعرة «عفيفة» مولودة نحو العام 430 ومتوفاة عام 483، وهي زوج «البرّاق».
كانت حسنة الوجه، كثيرة الأدب، وافرة العقل، شاع ذكرها عند العرب. أسرها ملك الفرس، وحاول إغراءها بشتى المغريات. فلم تقبل، وحاول ترهيبها بشتى المرهبات فلم تُذلّ ولم تلن، فاكتفى برؤيتها في سجنها الذي بقيت فيه سنوات حتى استطاع ابن عمها تخليصها، بعد أن أرسلت له ولقومها، قصائد عديدة، تستنجد بها لإنقاذها، من أشهرها القصيدة التي مطلعها:
ليت للبراّق عيناً فترى
ما أقاسي من بلاء وعَنا
يا كُليباً، يا عُقيلاً، إخوتي
يا جُنيداً، ساعدوني بالبكا
عُذّبت أختكم يا ويلكم
بعذاب النَُّكر صبحاً ومسا
كلمات وحكاية
أما الشاعرة «حُرّة» فهي مولودة نحو عام 476 ومتوفاة العام 538. تزوجت من (كُليب) زوج أختها (ماوية) بعد وفاتها، وبعد مقتل زوجها، عادت إلى بيت أهلها، تغص الكلمات في فيها، وتنهمر الدموع في مآقيها، حزينة على فقد خليل، خائفة من قتل أخيها، وفي هذا تقول:
يا عين فابكي فإن الشر قد لاحا
وأسبلي دمعَك المخزون سفاحا
هذا كُليب على الرمضاء مُنجدل
بين الخزامى علاءَ اليوم أرماحا
إضاءات النص
يقول الباحث إنه حاول استقصاء نسب الشاعرتين، فنجح مع جليلة بنت مُرّة «حُرة»، وفشل مع ليلى بنت لكيز «عفيفة» وكلتا الشاعرتين تزوجت بفارس وسيد مطاع في القبيلة. ونتيجة استعراضه لأشعار ومجريات حياة الشاعرتين توصل إلى نتيجة «كاد أن يجزم بصحــــتها» تقول إن لا برّاق..
ولا ليلى حقيقيتان، حتى ولا لكيز بن مُرّة، وكان من الممكن للدراسة أن تتضخم أكثر مما قدم بكثير، لكنه آثر الاكتفاء بما قدم، حرصاً على عدم الإطالة فيما لا يُقدم جديداً، أو يُضئ النص المدروس.
وما ضمه كتابه هو ما وجد إليه سبيلا، وما قدر على تبيانه، فإن كان قد أصاب، فله أجران، وإن كان قد أخفق فله أجر المحاولة. علماً أن إعداده للكتاب، استغرق منه سنوات طويلة، أمضاها بين بطون المراجع وأمهات الكتب، لكن للأسف، رحل قبل أن تُصافح عيناه هذا الجهد العلمي مطبوعاً..
وبهذا يكون حبر عينيه الزرقاوين (بحسب مقدم الكتاب) قد عاد إلى الحياة ثانيةً بصدور كتابه، وتكون نعمى ما لملمته يراعته بخير، وسهر لياليه أنعشته صباحات الحياة، بعد أن تناهبه اصفرار أوراق الكتب، وغبار المخـــــطوطات، وامّحاء الحواشي، واضطراب القوافي، واختلاط النسب.

