كتاب «نزهة الأنام في محاسن الشام» لمؤلفه «تقي الدين البدري» يجمع بين لذة الأدب وبين ملح التاريخ، وهو يصلح لأن يكون أنموذجاً صحيحاً لروح الأدب في القرن التاسع الهجري.
اليونان هم الذين وضعوا الأرصاد، وتكلموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارنتها، وبنوا دمشق في طالع سعيد، واختاروا هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد بين هذين الجبلين، وصرفوا أنهاراً تجري إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة، وسلكوا الماء في أبنية الدور فيها، وبنوا هذا المعبد، وكان غربي المعبد قصراً منيفاً تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد..
وشرقيه باب قصر جيرون، وهو أوّل من صنع المدينة وأحدث فيها البناء وعمل لها الأبواب، فمن ذلك: الباب الصغير، وباب كيسان، وباب توما، وباب شرقي، والجنيق، والفراديس، والجابية، وقد صور الأبواب على الكواكب، فزحل على باب كيسان، وعلى الباب الشرقي صورة الشمس، وعلى الباب الصغير المريخ، و«نور الدين الزنكي» افتتح لها باباً، سمّاه «باب السلام» وأحدث باب الفرج، وسمّاه بذلك لما وجد الناس فيه من الفرج.
ومن محاسن الشام بناء مسجدها، واستعمل الوليد لبناء هذا المسجد خلقاً كثيراً من الصناع والمهندسين والمرقّمين، وقد قال ابن جبير «في وصف الجامع الأموي:«من أشهر جوامع الإسلام حسناً وإتقان بناء، وغرابة صنعة، واحتفال تنميق وتزيين، ومن عجيب شأنه أنه لا ينسج فيه عنكبوت، ولا تدخله ولا تلمّ به الطير المعروفة بالخطاف».
ومن محاسن الشام قلعتها وحسن بنائها واتساعها، وبها جامع وخطبة، وحمام وطاحون، وأمّا جامع «تنكز» فإنه في الشرق الأدنى، وهو من الغايات هندسة وبناء.
ومن محاسن الشام محلة «الربوة»، وقد قيل لها ربوة لأنها مرتفعة مشرفة على غوطتها ومياها، أمّا الفواكه فلا قيمة لها، وفيها حمّام ليس على وجه الأرض نظيره لكثرة مئه ونظافته، ويمرّ «بردى» على قرية «الزبداني» كالبحر إلى أن يلتقي على قرية «الفيجة» الفيحاء، ويقال من ظاهر «باب السلام» إلى ظاهر «باب توما» ثلاثمئة وستون عيناً تجري إلى القبلة .
