يتفرد كتاب (التقنيات الروحيّة لتعليم الرسم) لمؤلفه وراسمه وضاح السيد، بربطه لفن الرسم (الذي هو مقدمة لفن التصوير متعدد التقانات اللونيّة، بل ولفن العمارة وباقي أجناس الفنون التشكيليّة) بقضايا وجدانيّة ومعرفيّة تطال بنية الإنسان الماديّة والروحيّة، وبشكل يفيض عن مقدرة هذا الفن الحقيقيّة، لاسيّما وأن بعض اتجاهات فن الرسم المعاصرة، هي نوع من الطلاسم بالنسبة إلى عدد كبير من المتلقين، خاصة في بلادنا العربيّة، حيث لا تزال الذائقة الجماليّة لغالبية الناس فيها، مأخوذة بسحر الكلمة، وخاضعة لسطوتها.

يبدأ المؤلف كتابه بدعوة صديقه القارئ والمشاهد له (لأن غالبية صفحات الكتاب كرّسها للرسوم واللوحات) إلى تذوق الرسم واللون، فهما برأيه، فرصة رائعة له، لصنع ملاذه الخاص القادر على إبعاده عن عذاباته الحياتيّة اليوميّة، صغيرة كانت أو كبيرة، مؤكداً أنه من خلال الرسم واللون، يمكن لصديقه هذا، صناعة عالم جميل، يختبئ وراء روحه الأكثر جمالاً، داعياً إياه إلى رسم نفسه تمهيداً لرسم لوحته.

حمل الكتاب عناوين مثيرة وعميقة الدلالة والارتباط بكيان الإنسان، منها: إرادة الحب، الارتقاء والتسامي، التطهير والتحرر، معرفة التأمل، ماذا تتأمل وكيف، الوصول إلى الحب في النفس الحية، إزالة العدوانيّة وإحلال السلام، التوجه بالعقل والنفس إلى المعرفة والحكمة، العطاء الروحي.

ولأن الحب ثقافة، وارتقاء، يدعو الكتاب متلقيه إلى تكثيف طاقة الحب في نفوسهم، داعياً إياهم إلى النظر بعين الحب، متجسدا من ضوء ولون وبراءة وعطاء، ومن ثم يدعوهم إلى القيام بتذوقه بصرياً.

يدعو قارئ كتابه إلى التطهير والتحرر، من خلال القيام بعمليات ذهنيّة، يتم عبرها استحضار الماضي، لأن له تراكماته في الذاكرة الإنسانيّة الشبيهة بحاملة ألوان الفنان، حيث تُشكّل الألوان هنا، صور الذاكرة، ولوحة القماش البيضاء هي الحاضر والمستقبل. ثم يدعوه إلى معرفة التأمل، وهو البداية الوحيدة لاكتشاف مجاهل ذاته ومكوّناتها وفهم الوجود من حوله بكل الفرح والغبطة، والتأمل هو الطريق إلى الحكمة، وإلى المعرفة، وطهارة النفس البشريّة وصفائها، والطريق الأمثل إلى السعادة.