يبين كتاب «المقامات» لمؤلفه د. يوسف إسماعيل، أنها مساق إبداعي، وفيه تمثّل المقامات الرائدة، صندوق كنز، حافلاً بالأسئلة المتجددة التي تعطي المقامات ما أعطته شهوة الكشف للحكاية الشعبية من مسارات عبر مسارب التلقي والتأويل. ويخص المؤلف بالذكر، مقامات «الهمذاني والحريري».
ويقول إسماعيل: إنّ المقامة هي الحكاية الشعبية الرسمية، أي أنها حكاية تقدم خطاباً شعبياً بأسلوب رسمي، والسفر في المقامة هو أسّ مرادفات تحول الفضاء في المقامات، من الهمذاني في القرن الرابع الهجري إلى طيف الخيال عند الشيرازي، والمقامة الحلبية لعصام الدين العمري في القرن الثاني عشر الهجري.
ويشير المؤلف إلى أن الهمذاني ولد في سنة 367 هـ بمدينة «همذان»، فنشأ فيها وتلقى العلم، وفارقها سنة 380 هـ، وحلّ بـ «الري» واتصل فيها بالصاحب بن عباد، ثم انتقل إلى جرجان..
وخالط فيها أصحاب المذهب «الإسماعيلي»، ثم قصد «نيسابور»، فسطا عليه اللصوص في الطريق، وبلغها سنة 382 هـ، وأملى فيها 400 مقامة، لم تصلنا كلّها، ثم رحل إلى خراسان وسجستان وغزنة. ولقي الأمراء والوزراء، ونال عطاياهم، وأخيراً استقر في «هراة»، وعاش فيها حتى توفي سنة 398 هـ، مسموماً، وقيل إنه أصيب بسكتة قلبية فدفن حياً.
يشيد السرد في المقامات راويان: راوٍ مجهول وراوٍ معلوم، الأوّل ينقل السرد، ويخبر عنه من دون رؤية عيانية، وبه تفتح المقامة دائماً: «حدثنا عيسى بن هشام»، «حكى الحارث بن همام، قال...»، والثاني يقصّ ما شاهده وعاينه عبر السفر في المكان والزمان، لذلك يبدأ السرد عنده بـ: «رأيت»، «صادفت»، «فبينا نحن إذ طلعت علينا.. الخ».
أنشأ الحريري خمسين مقامة سار فيها على خطوات البديع، وتقول المصادر التاريخية، إنّ الحريري كان يبذل جهداً كبيراً في كتابة مقاماته، فيتبصّر في كلّ كلمة..
ويشرف على نسخ المقامات وانتقالها، ولا يتركها تسير بشكل ارتجالي. وتبنى الحريري في مقاماته البنيات السردية للمقامة الهمذانية، والمتمثلة في جملة الاستهلال السردي والراوي والبطل وبنية التعرف، إلا أن شهرته فاقت الهمذاني، وأصبحت مقاماته حجج النقاد والشراح والمقلدين لعهود طويلة.
إن الهمذاني بالنسبة للحريري نموذج وعائق في وقت واحد، لأنه المعلم الأوّل، ومن يسعى إلى تقليده يكون أمام تحدّ عليه تجاوزه، وكأنه مربوط إلى حبلين: الأوّل يشده إلى تقليد النموذج والسير على خطواته والتمسك ببنياته، والثاني: التمرد عليه والخروج من عباءته ليشكل فرادته وتميزه وخصوصيته.
ويشرح المؤلف أنه تعدّ المقامة من أكثر الفنون النثرية التي أخذت بمحسنات اللفظ، بل إنّ المقامة ظاهرة إيقاعية، فما إن تذكر إلا وتحضر إلى الذهن صور المحسنات اللفظية، من سجع وجناس وترصيع.
وابن الوردي ليس بعيداً عن سمات هذا الفن النثري، من حيث الاهتمام بالإيقاع والجملة النثرية المموسقة.
والبحث/الكتاب، يحمل الكثير من الرؤى الذاتية المنبثقة من تأويل للمعطى الموضوعاتي للنصوص، مع المحاولة الحثيثة لتأطير المعطيات الجزئية في التأويل، ضمن إطار شامل يقدم في نهاية المطاف صورة للمبنى والمتن الحكائيّيْن في المقامات، وذلك في هواجس ملحّة تبحث في بنية التحولات والغرابة والتبني والتجاوز وقلق النص.

