يبحث كتاب (في جمهوريّة البياض: المدينة- التراث- المرأة)، لمؤلفته د. بغداد عبد المنعم، في علاقة المدينة بالتراث غير المادي، وبالمرأة، من خلال جملة من المرافق والموضوعات اللصيقة بالمدينة، كالبيت، والشرفات، والمتحف، والساحة، حيث في كل المدن العربيّة، كانت ثمة ساحة أو ساحات شهيرة، ولكل ساحة في مدينة عقدها من الحكايات، ونغمتها التي كانت منضمة إلى الهارموني الناظم لكل تكوينات المدينة، بعناصرها المعماريّة، وأصواتها، وروائحها.

وحملت بعض الساحات (كما يُشير الكتاب)، أحادثاً حوّلتها إلى مكان أثير في الذاكرة الجماعيّة، بل والذاكرة الوطنيّة والقوميّة، كساحة المرجة الدمشقيّة، وساحة سعد الله الجابري الحلبيّة.

وثمة ساحات غطاها الحزن الكبير، كساحة الميدان في بغداد، في بداية شارع الرشيد، حيث شكّلت المقاهي البغداديّة قديمها وجديدها، طقساً حانياً ضاجاً بالمثقفين وأحاديثهم وحواراتهم. وساحة الأقصى المقدسيّة، أكثر الساحات حضوراً في المشهد العربي والعالمي.

والحقيقة، حين تتعتق المدن، تروح فيها السنون طولاً وعرضاً ووجهاً، فتغدو صافية، وبعيدة، فلا تذهب أضواؤها أبداً. وكذلك لا تذهب كلماتها، لأنها لا ترتجل الكلمات ارتجالاً، وهي لاحقاً لم ترتجل التكوينات والملامح. أما المدينة العربيّة القديمة (بحسب الكتاب)، فلازمت الطبيعة ملازمة العشق والتوأمة.

يرى الكتاب بأنه تقريباً وتاريخياً، كان لكل مدينة شهرزادها. أي تلك المرأة المتمردة غير التقليديّة، التي تحيل بتمردها ومقاومتها إلى مرجعيتها الثقافيّة والنفسيّة، وإلى مخزونها الأدبي والتربوي. فما دامت هناك امرأة تتكلم، استمرت الحياة، واتسعت إلى حدود الفجر الذي امتد إلى ما بعد الليلة الألف.

وما دامت هناك ليلة بعد ألف ليلة، فإن الأمل مزروع، وذلك الرجل الصعب الصلب (شهريار)، ما لبث أن دخل في حديث شهرزاد لحظة بعد لحظة، حتى غدت في سمعه وفي عينه، وفي كيانه الحقيقي الوجداني التام. وهكذا، ما كانت شهرزاد امرأة واحدة، في زمن واحد. وبحسب الكتاب: المدينة أنثى تنتابها (دورة الحياة) في كل أبعادها.