يحاول كتاب/‏ديوان «للقهوة وقتٌ نركنه في الزاوية»، للشاعر أحمد بزُّون، التقاط عمق المأساة الإنسانية. وذلك بمواقف سوداوية ساخرة وهازئة، وبانفعالٍ شعري ينزُّ الحزن منه، فقصائده يكتبها بينما يبدو وكأنه يرقص على رأس إبرة أو على حدِّ سكِّين، لأنَّه مذهولٌ كيف يحوِّل المستبدَّ النسورَ إلى دجاج، والنمور إلى أغنام. إنَّ هذا ما يقوِّي المأساة في شعره:

زرعتُ قرنفلةً على سريرِك..

فنبت كلُّ هذا القرنفلِ على جسدك!

إحساسٌ عظيمٌ بالألم والحزن. ثمَّة (فَقْدْ) عند أحمد بزُّون. لذا هو يتألَّم.. فما عاد يمتلك الحب، وان الامتلاك الغرامي هو مسألة ميتافيزيقية. هل ندمِّر مشاعرنا؟ وهل الحب الذي تمتلئ معظم القصائد به يعني اقترافه- اقترافٌ للإثم، وفوقها تنتقمُ المحبوبة منه ؟:

لا تسدلي ستائر عينيك لحظةً

حتى لا أسقطَ.. وتقتلني العتمة

تنمَّري فيّ كي تتفتَّقَ ثيابي

وأمزِّقَ الريح من حولك!

عرِّي أحاسيسك كي يمجِّدَها الرب!

وافرجي جوع عينيك

الحب هو فعلٌ حسِّي في جانب منه، ومادي في جانب آخر. أحمد بشعره يثقب الموت الذي يصادر الحب.. وأنَّ الحب (معرفة). وكذا يطالعنا بعوالم غربة وغرابة فريدة.

ونجد أن الحب عند بزُّون مرتبطٌ بالألم. ويدفعنا أحمد بزُّون للتساؤل: هل النثر، أو قصيدة النثر قادرة على مواجهة الشعر؟. أم أنَّ(الشعرية) تحلُّ في (الكلام) فيصير نثراً أو شعراً حسب المعنى الذي يريده المتكلِّم. فيصير ما يقوله نثرا فلسفيا.. نثرا شعريا، نثرا علميا. وهو هنا في النثر الشعري يقوم بمجاوزة وجرأة لغوية حدسية فوق العروض والوزن.

لا يذلِّل الشاعر الشعر للنثر. بل هو يضعنا في (الحدث) الشعري، في (الجمال)، حتى لو كان عنده قافية أو وزن، فهو يذهب نحو تحقيق الجوهر الفكري – صورة الفكرة وهي: تسخر.. تعشق.. تنتقم.. ترثي.. تثأر.. تحتج.

ونتبين أن الشاعر لا يريد للقصيدة أن تستريح- يريدها أن تَقْلِبْ.. أن تقلِّبْ المشاعر والعواصف والمواقف بصفتها فناً آسراً يخاطب أحاسيسنا، وليس عِلماً يخاطب عقلنا. وبزُّون هنا يترك القصيدة صورة/‏ موسيقى تسري فينا دون أن يغصب أحرفها/‏ كلماتها كي تتعانق أو تتنافر. هو يذهب إلى حرية التفكير الشعري – يحقق «التشعير» فلا تتصدَّع الجملة، بل تصير متلاحمة لا يمكن فصل كلمة عن كلمة، فعلاً أو اسماً. حتى لو بدت موزَّعة ومرتَّبة ومصنَّفة رغم ما تحمل من سخرية مرَّة.