تستعيد رواية «زمن السيداف»، لمؤلفتها وداد خليفة جمعة النابودة، ملامح الماضي لترسم معها لوحة بانورامية تاريخية لحال المجتمع الإماراتي، خاصة دبي: خلال ثلاثينيات القرن الفائت وحتى خمسينياته، إذ تحكي المؤلفة في هذا المسار عن ماهية الكينونة المجتمعية، آنذاك، ساردة تفاصيل وقصصاً متنوعة، وراصدة طبيعة الأحداث والمقاساة التي شهدها المكان وأهله، قبل التحولات العصرية.
تتطرق وداد خليفة جمعة النابودة، في روايتها، إلى جملة حكايات وقضايا حياتية، خبرها المجتمع آنذاك، إذ نتبين معها أبطال العمل، وبفئاتهم وانتماءاتهم كافة، وهم يخوضون ويعانون الآلام والتعب والحزن والعوز، في ظل تسيد الفقر وتحكم الجهل مؤزّرين بعسف الانتداب البريطاني، إذ تُظهر الرواية كيفيات حرص البريطانيين.
وفي شتى ممارساتهم وألوان تعاطيهم، على تكريس جفوة الناس مع التنوير. وكذا تعميق العبودية وتأجيج نيران كل ما يمزيق المجتمع.
تنوّع وداد في نماذج أبطال عملها.. فلا تحصر ميادينها ضمن حقل واحد، لتطرق بذا، حال المجتمع من نواحٍ عديدة: ثقافياً واقتصادياً وفكرياً وسياسياً. ونجد أنها تغطي مختلف الوقائع والموضوعات والجوانب في صلب ما تعالجه ضمن روايتها.
ولكنها تجمع وتكثف تلك المسائل في نطاق وحول محور واحد أساس، يتمثل في شخصية ومقاساة بطلتها «موزانة»..التي وقعت ضحية الثأر والفقر وعادات الغزو والاعتداء المتبادل، إذ اختُطفت من حضن أمها، انتقاما من أبيها المعتدي، لتعيش إثرها، تجربة استرقاق وقهر مريرة.
وفي غمار هذه السيرورة السردية الحكائية، تتقصد وداد خليفة جمعة النابودة النبش عميقاً في خبايا وغوامض كثيرة، مقدمة رؤى استقرائية حول المكان والتأثيرات التي طالت قاطنيه، إضافة إلى مقدمات التحولات والتغييرات الكبيرة في المجتمع.
وفي هذا الغمار تطلعنا الرواية على حجم أهوال المعاناة التي تحملها الناس، حينذاك، مؤكدة قيمة التحدي الذي خاضه الإنسان في هذه البقعة من العالم، فقهر بمخاضاته وخواتيمه أشكال الخطر والمعاناة.. وصاغ ألق النجاح في كسر طوق العبودية وفتح آفاق التنوير.
وفي خضم تنقل الرواية بين محطات ومراحل حياة موزانة، بطلة العمل، تضيء لنا الكاتبة على حال التجارة والقوافل حينذاك، وكيف واجه الناس مخاطر البحار ولم يستسلموا لقسوة الطبيعة وشح المقدرات. وكذا تبدو لنا الرواية في حبكتها ومخارجها، بمثابة توثيق جاذب عماده الأدب، يجمع ما ألم بأهل المكان خلال تلك الفترة الزمنية، من أكل «السيداف» ومقاومتهم جشع «البانيان»..
وما تكبدوه جراء انهيار تجارة اللؤلؤ واستفحال البطالة، كذلك الويل الذي طالهم أثناء مصيبة «سنة الجدري». وتشرح وداد في الرواية، أشكال اشتغال بريطانيا على خنق واستبعاد أية شعلة أو أمل بالتنوير والانفتاح والوعي في المجتمع، غاية إحكام عملية عزله واستغلاله.
وما بين مطارح العمل الثلاثة الرئيسة: العين ودبي والشارقة، تعرفنا الروائية، على عادات وتقاليد، إيجابية، وأخرى سلبية بالية أسهمت في تعميق معاناة البعض. وفي كل الأحوال، يلفتنا ما تختم به الروائية عملها، إذ تختار نهاية سعيدة لبطلتها «موزانة»، وكأنها توحي معها بذوبان القيود وانبثاق نور المعرفة والانعتاق.
إذ، وبعد أن تعود موزانة إلى حنان وحضن أمها، تكتشف أن وصية عفراء بنت ثاني، تلك المرأة التي أخذتها طفلة لتجعلها بين خادماتها، تنص على أن موزانة ليست عبدة لأحد.. وأنها لم تشترِها.. وأنها تمنحها حريتها وتطلب منها أن تسامحها. وتصور وداد خليفة جمعة النابودة المشهد في تلك اللحظات:
انهارت قوى موزانة مع الكلمة الأخيرة، لتخر على الأرض، جاثية ومرددة بأعلى صوتها: تريدني أن أسامحها، أسامحها!! انفجرت باكية وهي تدفع بعوض بكل ما أوتيت من قهر: اتركني وحدي يا عوض، اذهب أنت وأمي إلى البيت وسألحق بكما، اذهب يا عوض، اذهب يا عوض دعني وحدي.

