يعد كتاب «صورة الشعب بين الشاعر والرئيس.. فؤاد حداد – ناصرـ السادات ـ مبارك»، لمؤلفه .د.سيد ضيف الله، الدراسة النقدية الأكاديمية الأولى عن شعر فؤاد حداد، لكنها في الوقت نفسه، الدراسة الأولى التي تقدم نموذجاً تطبيقياً لمقولات النقد الثقافي على الشعر العربي، من دون أن تحوله إلى حديث في قضايا عامة أو تحليلات سياسية.
حيث استطاع المؤلف أن يقدم تصوره النظري لشبكة من المفاهيم والمصطلحات الموجودة في مجالي الدراسات الثقافية والنظرية الأدبية التي تلغي بشكل عملي، مبرر طرح السؤال المفتعل حول وجود علاقة صراعية أو تلفيقية بين النقد الأدبي والنقد الثقافي. ومن ثم تسهم الدراسة في تخطي الحواجز المصطنعة ليس بين المجالين فحسب، بل بين مجال النقد الأدبي والقارئ العام المنشغل بهموم الحياة اليومية.
اشتمل الكتاب على بابين؛ في الأول قدم المؤلف تصوره للمدخل الملائم لهذا البحث للدخول إلى مجال النقد الثقافي من خلال «تمثيل الشعب»، وناقش هذا المدخل من ثلاث زوايا موزعة على ثلاثة فصول...
كان أولها عبارة عن مقاربة للوعي النقدي بشعر العامية عند فؤاد حداد، على النحو الذي تظهره حواراته الصحافية ومقارنته بالوعي النقدي بالفنون المعربة وغير المعربة عند صفي الدين الحلّي، أما ثانيها فكان عبارة عن قراءة نقدية في النظام الأدبي المستند لتراتبيات اجتماعية وإنسانية عبر ترسيخه وشرعنته لتراتبيات لغوية وجمالية..
وفي ثالث هذه الفصول قدم الباحث تصوره للنقد الثقافي ليس باعتباره بديلاً لنقد أدبي ولا باعتباره منهجاً يرسخ لتراتبيات مضادة لتراتبيات النظام الأدبي، تلك الترابيات التي ترعاها وتزكيها مؤسسات تعليم الأدب ونقده، بوعي حيناً ودون وعي حيناً آخر، وإنما باعتبار النقد الثقافي نشاطاً نقدياً دنيوياً بتعبير إدوارد سعيد. أما الباب الثاني...
والذي جاء تحت عنوان «بناء الأمة في الخطاب الاستعاري بين التماثل والاختلاف»، فاشتمل على ثلاثة فصول، حاول د.ضيف الله من خلالها أن يجيب عن سؤال كيفية تشكيل الهوية الثقافية من خلال دراسة نسق تمثيلات الشعب في خطاب فؤاد حداد الشعري والخطابات الرئاسية عند عبدالناصر والسادات ومبارك، مراعيًا التوازي الزمني بين وقت كتابة القصائد داخل الدواوين الشعرية، ووقت إلقاء الرؤساء لخطبهم منذ عام 1952، وحتى عام وفاة فؤاد حداد 1985.
وينطلق المؤلف في بحثه من فكرة جوهرية صاغها بقوله إن الوعي الجمعي الشفوي الذي تمثّله الشاعر فؤاد حداد في بنائه لعقل الأمة شعراً.. وامتثل له هو، أسهم إلى حد ما في الربط بين فؤاد حداد بدواوينه الأولى، بقوة العمال والفلاحين..
ولذلك كان حرص الباحث على اكتشاف مظاهر حضور الوعي الكتابي الفردي في حالة تنافر مع الوعي الشفاهي القبلي المهيمن، إذ يحتم متابعة السياقات التاريخية المختلفة لعلاقة الوعي الكتابي الفردي المديني بالوعي القبلي الشفاهي البطريركي وصراعهما على تمثيل الذات الجماعية في خطاب حداد بالموازاة مع: ناصر، السادات، مبارك.
ويبين المؤلف أنه قاوم حدادُ ذو الوعي الكتابي المديني الفردي، بمحطات ابداعية، حداداً ذا الوعي الشفوي القبلي البطريركي والذي كان سر انسجامه في الماضي مع ناصر باعتباره النموذج الأصلي للحاكم ذي الوعي القبلي الشفوي البطريركي؛ وذلك عبر إعادة قراءة الماضي ومراجعته في ضوء ما آل إليه في الحاضر.

