يستعيد كتاب مسرحية الأمريكي، لمؤلفها أحمد رفيق عوض، التاريخ بويلاته من خلال برهة زمنية متمثلة في حكم الملك «الكامل» لفلسطين، الذي سلم القدس ونابلس وبيت لحم وصيدا إلى الملك الألماني فردريك، من دون قتال أو مواجهة، تحت ذريعة فحواها «حقن الدماء».
إن الإسقاط التاريخي، وتخير الزاوية التاريخية والمعالجة القيمة، ورشاقة الحوار ودلالاته والتضاد والمواجهة والكشف والإبانة، والالتفاف والاستباق والاسترجاع والتداخل والاحتباك، وكذا التلبث؛ كلها اجتمعت على صوغ عمل مسرحي ينجدل فيه الفكري والتاريخي والاجتماعي والسياسي والفني. انجدال ضفيرة بين أصابع ماشطة، عبر حوار يجول بالأفكار هنا وهناك، وعبر ذهن صاف يتجلّى عن حسّ وطني، وعين شديدة النفاذ إلى الأعماق.
ويقول الدكتور حسن حميد عن الأدوار المسرحية: «فالأدوار بوصفها أفكاراً تشكل ثابتاً يبحث عن الشخصيات المجسدة لها وصولاً إلى مآلاتها، والشخصيات بوصفها متحولاً بلغة التنحي والإقصاء حين لا تقبل على الأفكار المهدوفة، فهي في حال من التحول والمغايرة إن لم تقبل بهذه الأفكار وتتبناها..
والفكرة الجوهرية في المسرحية، التي يسعى إليها الأميركي "بيرسي" هي قبول التطبيع من دون الالتفات إلى الماضي، بقولة أخرى، تعني أن تقبل الشخصيات بالاحتلال الصهيوني وهو في تموضعه الراهن سياسياً وجغرافياً وتاريخياً وثقافياً، من دون أن نسمّي ما قام به جرائم أو مجازر أو نوصفها، كل ذلك يأتي طلباً لـ"حقن الدماء"، لا بل إنّ المسرحية تزيد الصورة الاستسلامية المستلة من تاريخ الملك "الكامل" أسى وتفجعاً وألماً، حين نسمعه يقول لهم: "أنا صنعت سلام أقوياء، أما أنتم.. حتى سلام المستضعفين لم تحصلوا عليه".
إن مسرحية "الأمريكي" التي تنتهي ببعض الشخصيات إلى الاعتقال.. تقول ببساطة شديدة: لا مصالحة ما بين الجلاد والضحية، ولا تعايش مع سارق الأرض والتاريخ، والقوة لا تلغي حقوقاً، والبلاد ليست للبيع.
