تنتمي«شارع داروين»، للكاتب الجزائري بوعلام صنصال، الى ذلك الصنف الباذخ من النصوص الموشّحة بطيات التاريخ والفنّ السردي والأسلوب المُدهش. ويقول الكاتب في ص 20 ضمنها: «كلامي هو البيت السرّي للأسلوبية»
يستمدّ نص «شارع داروين» كلّ قوّته من الموقع التخومي الذّي يحتلّه بكل أريحية بين الرواية والسيرة الذّاتية، ينغرس السّرد عميقا داخل الوقائع التاريخية الفعلية، بشخصيات حقيقية يكون بطلها الأساسي (يزيد) هو الكاتب نفسه، وهو يخوض تحقيقا دقيقا حول هوّيته وأصوله وعائلته، لكنّ السيرة كُتبت أيضا بلغة روائية تجمع في قبضتها كل خيوط الفن الروائي.
القصّة عبارة عن فلاش باك طويل يعود بالحكاية إلى أغوار سحيقة من الذّاكرة والكاتب يتفرّس وجهه على مرآة الزّمن/السرد، فبعد وفاة والدته دّقت ساعة الأرشيف المنسي، الحكاية المُسكتة بكل تعقيداتها النفسية والأنطولوجية والثقافية، حكاية البطل/الكاتب بوصفه ابنا غير شرعي. إذ ولد سنة 1949 في قبيلة كبيرة كانت تديرها جدّته، قبيلة ثريّة أقامت كل اقتصادها على تجارة غير شرعية منتشرة في كل شمال إفريقيا وفرنسا، فبعد أن سلب الاستعمار كل أراضيها كان ذلك الاقتصاد اختراع جدّته التي استلمت زعامة القبيلة وهي في الثامنة عشرة.
يعيش البطل في «شارع داروين» بالجزائر العاصمة مؤجّلا سرّه إلى لحظة حاسمة ومتوتّرة سيفجر فيها شلاّل السرد لا محالة، إلى أن تموت أمّه وهي تقول: «يجب العودة إلى داروين»، يعود لكي يعيد ترميم حكاية الأصل وحل اللغز الذي يؤسس كل وجوده «تكمن في كل حياتي في هذه الصورة وهي مفتاحها، لكني لا أعرف في أي اتجاه عليّ أن أدير المفتاح». وربّما يكون السردُ مفتاح كل الهويات.
وفي الرواية، نجد سردا مضادا لـ «معركة الجزائر» حين يكشف العمالة المزدوجة لكل أبطالها.
ويعود النص في كلّ مرة للبحث عن جذور لمأزق الأصولية الدينية ويقارن بين مظاهر الدّين في طفولته كما يصفه في مشهد «الطُلبة». وتنحت الرواية معادلات موضوعية واضحة وقويّة لتاريخ الجزائر قبل وبعد الاستقلال، فالجدّة التي استطاعت أن ترسي امبراطورية مالية وإقطاعية من الأعمال والممتلكات تعادل الوجود الفرنسي في شمال إفريقيا، ولهذا كان يشيد بمكرها وقوّتها ولا يخفي تواطؤها المعلن مع السلطة الاستعمارية.
يخلص التحقيق الّذي خاضه صنصال في روايته، إلى نتيجة مفادها أن هذا الهوس بالبحث عن الأصول هوس مرضي يفوّت على صاحبه الحياة بمتعها ومغامراتها واستحقاقها الأصيل بالمعيش.
