يعد كتاب «تجليات اللون في الشعر العربي الحديث»، لمؤلفه الدكتور ماجد فارس قاروط، دراسة نقدية جمالية ترصد تجليات اللون في شعر الحداثة العربية. إذ يبين أنه يبدو أن اللون في المدرسة الإحيائية لم يرتق إلى المستوى الرمزي، وظل محافظاً على مستقاه..
والأغراض الشعرية التي استقرّ فيها اللون في القصيدة الإحيائية ظلت تحتفظ بأشكال المديح والرثاء والحكمة، وبات خروجها عن تلك الأغراض ضئيلاً، وكان للأحداث السياسية والاجتماعية أثر واضح في ذلك الخروج، فكانت (الحرية والتنديد بالظلم والحاجة إلى العدالة) من الصور الشعرية التي انطوت على اللون.
واللون في المدرسة الرومانتيكية ظل منسوباً إلى القيمة، إلا أنه شهد انزياحاً واضحاً على الصعيد الدلالي، لأنه يتمتع بحرية في التعبير لم تكن ظاهرة في المدرسة الإحيائية، وأتت من أعماق الذات المبدعة، والشخصية السوداوية تعممّ حالة السواد على الماضي والحاضر والمستقبل وعلى الأشياء والعناصر والأفعال المحيطة ويقف الكتاب عند جملة اشعار ونصوص للمبدعين العرب، من اجيال مختلفة.
ليخلص إلى أن ليس هنالك قاسم مشترك لطبيعة اللون في قصائد الحرية في شعر الحداثة، إنه يكتسب وجوده من الموقف الذاتي الفكري للشاعر، وبقي اللون الأحمر ملازماً لمسألة الحرية، كما في قصائد أحمد شوقي. وفي هذا الجانب يقول «معين بسيسو»:
«يا وطني أين الأغنية تساق ؟/خيط من دمك الخفاق يراق/ من أجلك شلال مرايا صفر/يتكسر في وجهي/شلال مرايا سوداء».
إنّ الأصفر والأسود متموضعان في ذات الشاعر، والدم الذي يراق والأغلال التي تحيط بالشاعر، عناصر أنجزها اللونان الأصفر والأسود بدلالاتهما، وليست محاولة للتضحية التي تقوم بها الذات من أجل الوطن إلا ردّاً على ذلك الاصفرار وذلك السواد، وأملاً بإعادة الحرية.
إنّ المرأة عنصر حيوي تخلّى عن موقعه الحسّي في القصيدة الحديثة ذات المنحى الصوفي، ليشكل نواة جديدة للعلاقة بين عالم الشاعر والعالم المحيط، فيتحد الداخل بالخارج، وتتماهى العوالم فيما بينها، ونقف على نصّ للشاعر محمّد الطوبي يقول فيه:
«من إيقونات السوسن والماء/من أشجار الحلم الفيروزية/من الصبوات المصقولة بالفضة/والأسماء ...».
إذ أظهر النصّ أنّ هناك اتحاداً عضوياً ذا مستوى عالٍ بين عناصر الطبيعة وبعض المعطيات الدينية، وهذه المرجعيات الدينية توقظ المرجعية الاجتماعية الدينية التي تعدّ هي الأساس في تكوين شخصية الشاعر الفكرية.
ومن زاوية أخرى فإنّ بعض الألوان تمتعت بخصوصية معينة في الحياة الدينية والأسطورية، فاللون الفيروزي كان محبذاً عند بعض الفرق الدينية، وكذلك اللون الذهبي في تاريخنا الإسلامي متجسد في الآثار والمساجد والزخارف، كما أنّ اللون الأرجواني كان على صلة وثيقة بالفكر الأسطوري عند الفينيقيين، وامتداد هذا اللون ليصبح رمزاً إيديولوجياً للحزب القومي السوري الاجتماعي، ويقول الشاعر خليل حاوي: «وإذا صوت يقول/عبثاً تلقي ستارة أرجوانياً/على الرؤيا اللعينة».
ويبين الكتاب أخيرا، أنّ اللون داخل حالة صراع مباشرة أو غير مباشرة مع الألوان الأخرى في النصّ، ممّا يشير إلى أنّ اللون في القصيدة الحديثة لم يعد ذا جدوى بصرية حارة أو باردة، بل أصبح منظومة فكرية نفسية لها دلالاتها النوعية الخاصة.
