يُعنى كتاب «ربيع الدم والأمل» لمؤلفه عرفان نظام الدين، بمعضلة الربيع العربي بمدها وجزرها، دون الدخول في تفاصيل ووقائع مجرياتها اليومية، من صراعات اتخذت طابع المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية، وذلك بغية التركيز على أبعادها وخفاياها وأسبابها وجذور انطلاقتها وتشابك المصالح والتدخلات الإقليمية والدولية المتورطة في أوحال هذه الحوادث المؤلمة.

يشير المؤلف إلى وجود خلفية تراكمية للأزمات والمعضلات والمشكلات في العالم العربي، من دون أن تطالها بالعلاج يد الإصلاح والتغيير لتفادي انفجارها في قادم الأيام، كما هو حاصل مع تفجر الثورات العربية في غير بلد عربي، ويعدد عدة نقاط أزموية متراكمة (ساهمت وتساهم في إبقاء الوضع العربي متدهورا ومتفاقما ومأزوما).

ومنها: أولاً: الانقلابات والقلاقل والحروب التي أفرغت الأوطان من نخبها الفاعلة والحكيمة وطالت فئات وقوى وطوائف، واتبعت سياسة العزل والتنكيل والتضييق والتمييز وإثارة النعرات الطائفية.

وثانيا: غياب الديمقراطية الحقيقية والمشاركة الواسعة لفئات الشعب والتفرد في الحكم ورفض مبدأ تداول السلطة وقيام علاقة صحية سليمة بين السلطة والمعارضة. ثالثا: قمع الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان، التي طالت في أحيان كثيرة فئات أو أفرقاء رئيسيين في تركيبة الوطن الواحد.

رابعا: ضرب القضاء وتسخيره لمصلحة الحاكم وصاحب النفوذ، مما أدى إلى غياب العدالة وتزايد الشكوى من الظلم والجور وغياب المرجع الصالح للاحتكام للقانون وإحقاق الحق. خامسا: ضعف الانتماء الوطني بشكل تنازلي متواصل نتيجة شعور المواطن بالغبن ومنعه من المشاركة في تحمل المسؤولية واتخاذ القرار في القضايا الحياتية والمصيرية.

وفي قرار السلم والحرب، ولشكواه المستمرة من انعدام المساواة وتغليب التمييز في مختلف شؤون البلاد والوظائف وفرص العمل والبحث عن لقمة العيش. سادسا: تزايد معدلات الفقر والحاجة والبطالة نتيجة لغياب سياسات الإنماء المتوازن، واستمرار ظاهرة التفريق بين مناطق الحرمان والمناطق المحظوظة، مما ولد نقمة ومشاعر إحباط ويأس.

سابعا: تخلف مناهج التعليم وتزايد عدد الأميين بسبب الحرمان والجهل وغياب اهتمام الدولة ورعايتها لهم. سابعا: الفراغ الذي يعاني منه الشباب والذي يفضي إلى التطرف والانحراف وتشجيع ظاهرة الإرهاب والعنف في المجتمعات العربية وتزايد حالات التعصب الناجمة عن مجموع النقاط المذكورة آنفا.

يطرح المؤلف أسئلة مؤلمة ومحيرة وهي: كيف سنخرج من هذا النفق المظلم؟ متى يتحرك الحكماء العرب لمنع تفشي وباء التفتيت والصراعات والحروب الأهلية؟ متى يتخلى العرب عن دور المفعول به ليلعبوا دور الفاعل بكل ما يملكونه من إمكانات وطاقات وثروات قادرة على اجتراح المعجزات؟

لا يجد نظام الدين ثمة جواب عن أسئلته ولا حتى مؤشرات دالة على احتمالية معالجتها في أمد قريب.

ويرى أن تسمية «الربيع » مثيرة ومحببة، إلا أن ما تبعه من توجهات وانحرافات وفلتان شوه المعنى ولطخ المشهد الجميل ومحا رونقه ودنس قدسيته، فالغاية نبيلة والأهداف شرعية والمطالب محقة والأسباب جوهرية، ولم يكن مستغربا أن تنطلق منها الجماهير، بل الغريب حقا هو التأخر كثيرا في الانتفاض من أجلها، رغم أن هناك من يبرز ذلك بالظروف التي لم تكن مواتية والرؤوس التي لم يكن قد حان قطافها، مع ترداد مقولة «خير لها أن تأتي متأخرة من أن لا تأتي أبدا».