يسم كتاب «الجسد والسياسة»، لمؤلفته مريم وحيد، أرض مصر بكونها جسداً، متكئاً على ذلك لتوصيف حال المتغيرات السياسية في مصر. فمنذ فجر التاريخ والحدود الجغرافية لها محددة في موقعها الذي يتوسط القارات الثلاث.
ووصف المفكر سيريل الدريد المجتمع الزراعي المتشرذم أيام مصر القديمة، وشبهه بالجسد في توحده لتشكيل مصر الدولة، ووصف هذا التجمع بالمعجزة. ومنذ هذا التاريخ البعيد لم تنفصم مصر، وحرص كل الملوك والحكام فيها، على تدعيم أواصر الجسد..
وهو ما تجلى بوضع رمز الوحدة على جانبي عروشهم، ما يعني قوة العرش في وحدة الأرض. وتوضح المؤلفة أنه أشارت الأساطير إلى المعنى نفسه وأكدته، فها هي ذي أسطورة إيزوريس وأزيس الشهيرة، والتي بقيت حتى يومنا ملهمة للشعراء والأدباء، تحمل معنى القوة في التوحد، وهو ما دفع إزيس للبحث عن أشلاء جسد زوجها أوزوريس، ثم محاولة جمعه من كل بقاع مصر، لدفنه كجسد واحد حفاظاً على البلاد كجسد واحد.
وصار «أوزيريس» ملكاً أو أول ملك عليها، وأحبه الشعب لأنه محب للخير وللناس، وتولى تعليم شعبه الحكمة وأصول فن الشعر والموسيقى والطب والزراعة، بل وعلمهم مكارم الأخلاق.. ولا يطول الأمر طويلاً ليسعى أخوه للتخلص منه، فيقتله ويمزقه إرباً.
وبدأت رحلة المخلصة زوجته «إيزيس» مع ابنها «حورس» الحر في البحث عن جثة الأب، وقد نجحا في مواجهة كل محاولات العم المستبد.. واعتلى حورس العرش، وسار على طريق أبيه، فنعم الجميع بالسلام وبخير مصر.
والكتاب يقوم على فكرة إبراز الجسد كوحدة للتحليل السياسي، والجسد هو الجانب العضوي من الوجود الإنساني، أي أن الجسد جوهر واحد، لكن الرؤى تختلف باختلاف زاوية الرؤية: الرؤية الاجتماعية أو الرؤية السياسية أو الرؤية الاقتصادية أو الثقافية أو حتى السلوكية والطبية.. ومن خلال الرؤى المختلفة تبحث الكاتبة العلاقة بين الجسد والسياسة.
وخلصت الكاتبة إلى عدة نتائج في علاقة الجسد بالثورة، وهي: أن صورة الوجه البريء لخالد سعيد أثارت البعض، توظيف الجسد للتعبير عن الاحتياجات (مثل الكتابة على الجسد) له دوره.. وقوف مواطن أمام دبابة تعبيراً عن التحدي. وأيضاً مشاهد سحل الجسد للبعض أثار الناس.. كما لعبت مشاهد احتماء الناس بعضهم ببعض دورها.. وهناك شواهد تشير إلى أن إعاقة الجسد لم تمنع من المشاركة في الأحداث حتى بعد الإصابة.
المؤلفة في سطور
مريم محمد وحيد. كاتبة وباحثة مصرية. مولودة في القاهرة. حصلت على البكالوريوس من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام 2003م. لديها عدد من الإصدارات، منها: الحركات الاحتجاجية.
