يرى كتاب «تجليات سرد الحياة.. قراءة في أدب نجيب محفوظ»، لمؤلفه محمد عطية محمود، أن الإبداع القصصي لنجيب محفوظ ينشغل بالحياة، وتتجسد فيه صورها المتعددة، كما تتدرج فيه مستويات انشغاله بها منذ بدايات إبداعه، وتبعاً للمرحلة الجمالية والحالة السائدة في إبداعه بصورة عامة، بحيث دائماً توجد الحــــياة ومترادفاتها ومضاداتها؛ فمن الحياة ينبثق الموت، ومن الموت تنبثق الحياة.

يحاول الناقد محمد عطية محمود في هذا الكتاب إعادة الاعتبار لأدب محفوظ القصصي الذي ظلمه النقاد، باعتراف الأديب العالمي ذاته، حيث يقول نجيب محفوظ: «وأنا لا أعتقد أن الظلم يقع علي بقدر ما يقع على الأدب ذاته، والمضحك والغريب أن قصصي القصيرة منتشرة بين القراء أكثر من كتّاب القصة الفعليين، كل مجموعة طبعت خمس مرات، وكل طبعة بالآلاف. على أية حال إذا كان النقد قد ظلمني في هذا المجال، فقد عوضني القراء».

كما يوضح الكاتب أن الإبداع القصصي لمحفوظ مثّل رافداً مهماً لمضامين وسياقات إبداعه لا يقل بأية حال من الأحوال عن أعماله الروائية الخالدة التي حفرت للأدب العربي مساراً، وأسست له علامات بارزة في ذاكرة الأدب العالمي وحاضره.

فنجيب محفوظ الذي قدم أول ما قدم في عطائه الأدبي غير المحدود روايته التاريخية (مصر القديمة) - 1932 التي نال عنها جائزة (قوت القلوب الدمرداشية)، كتب القصة القصيرة ولازمها فترة طويلة متصلة امتدت من عام 1932 إلى عام 1946، أنجز فيها مجموعته القصصية البكر (همس الجنون)، لتشكل عطاء قصصياً حقيقياً امتدت معاناته طيلة الاثني عشر عاماً مع القصة القصيرة عرفه فيها الواقع الأدبي قاصاً مجيداً على صفحات مجلات المجلة الجديدة والرواية والرسالة والساعة.

ويتناول الكاتب عبر توطئة كاشفة، وستة فصول، مسيرة الإبداع القصصي لنجيب محفوظ، بداية من الفصل الأول المعنون بـ«همس الجنون.. همس الحياة والموت»، وهو عن مجموعته القصصية البكر همس الجنون، والفصل الثاني «دنيا الله والبحث عن خلاص»، والفصل الثالث «القهوة الخالية والصراع على الحياة»، وصولاً إلى «خمارة القط الأسود» في الفصل الرابع.

أما الفصل الخامس فعنونه بـ«تحت المظلة وعبثية الصراع على الحياة»، بينما تناول الفصل السادس المعنون بـ«المرأة.. الحياة، نموذج المرأة.. الحياة فالمرأة في قصص محفوظ» مفهوماً واقعياً يقوم على أساس من المفهوم النفسي والفلسفي والرمزي، وفي بعض الأحيان العقيدي المرتبط بعلاقات شخوص النص الفاعلة الأبطال مع كل نموذج من نماذج المرأة في النصوص التي اختلفت معايير تناولها لرؤاها، ذلك باختلاف كل مرحلة من المراحل التي يعبر عنها أدب نجيب محفوظ بصورة عامة، وكتوجه يشمل إبداع كل مرحلة على حدة، لتطفو بإلحاح هذه النماذج الجديدة لتجليات الحياة في صورة المرأة.

 فالمرأة هنا لا يكفي وضعها على خريطة الإبداع القصصي لمحفوظ كأي شخص من الشخوص أو أي رمز من الرموز الفاعلة في بناء النسيج القصصي، وتأطيره بهذه الأفكار المغايرة، فهي هنا تتجلى لتجسد صوراً ورموزاً وأقنعة للحياة في تلوناتها وتضاداتها وتفاعلاتها المثيرة في صور متعددة، كصورة المرأة غير السوية كما في نص: العري والغضب (مجموعة الجريمة) أو صورة المرأة صارخة الجمال صعبة المنال (كما في نص: في أثر السيدة الجميلة - مجموعة التنظيم السري)، أو صورة المرأة.. السلطة، كما في نص: روبابيكيا - مجموعة حكاية بلا بداية ولا نهاية.

ويعد الكتاب واحدة من تلك القراءات المتواصلة الواعية التي تحاول استجلاب الغالي والنفيس من إبداعات محفوظ القصصية التي يحرض الباحث على ضرورة تواصلها وعدم توقفها، انطلاقاً من كونها خطوطاً متوازية مع خطوط إبداع محفوظ الروائي الفارق.