يضم كتاب «المسافة صفر اشتباكات الرواية والحياة»، لمؤلفته هيا صالح، إحدى وثلاثين مقالة للكاتبة تتناول نصوصاً روائية عربية، في محاولة تضيء مواضعَ في الصورة البانورامية للمدوَّنة الروائية العربية خلال العقدين الأخيرين. إذ بدأت الرواية العربية تشهد تحوّلاً بلغَ حَدَّ الانقلاب الجذريّ في صورة الذات، فجرى تغيُّر في بنى السرد، واختفى «الراوي العليم» أو كاد..

وهو الراوي الذي ظلّ إلى وقتٍ قريب يقبض على الأحداث، يتنبَّأ بها ويحلِّلها ويتدخَّل في شارداتها ووارداتها. وشاع بدلاً منه ضمير المتكلِّم الذي يمكِّن الرَّاوي من تقديم منظور ذاتي يرصد انعكاسات الخارج على داخل الشخصية. إلى جانب ذلك، برزت ظاهرة الجمع بين أكثر من ضمير سرديّ، أو اعتماد عدد من الرواة في النَّص الواحد، يرصد كلٌّ منهم الأحداث من وجهة نظره، بما يتيح للقارئ إطلالة ضافية على الأحداث من زوايا مختلفة.

وتُظهِرُ الأعمالُ المدروسة في هذا الكتاب إعلاءً من شأن الفرد، وانتصاراً للذّات وانحيازاً لصوتها الذي غابَ في السابق لصالح «المجموع»، إذ صار متاحاً لهذه الذات ــ الفردية ــ أن تسأل وتشكّ وتنتقد وتفعِّل وجودها وتؤكِّد إنسانيتها، وتواجه في الوقت نفسه واقعاً مثخَناً بالهزائم والخسارات، وتتصدَّى لقيمِ الاستهلاك والتبعية التي تسِمُ عصرَنا.

فتأخذ المؤلِّفة عدداً من الروايات العربية لتطبِّق عليها منهجها النقدي، مثل: رواية «القط الذي علّمني الطيران» للروائي والقاص الأردني هاشم غرايبة التي تتناول ما شهدته الساحات العربية وتشهده من ثورات وانتفاضات وحراك. إذ تبدأ الرواية في تأمُّل «عماد» المساجينَ وهم يتجمهرون عند الشَّبَك الداخلي للسَّاحة..

بينما يتم تسجيل نزيل موقوف على ذِمّة المخابرات، فيما خياله الدرامي ظلّ بمثابة الرفيق الدائم لـه وقد سانده ليتحمَّل - بعد أن صار سجيناً - أشكال التعذيب والإهانة على اختلافها، من دون أن يستسلم، وهو الذي تعلّق خلاصُه بتوقيعٍ على ورقة يقول مضمونها: «أنا الموقّع أدناه، أستنكر الحزب الشيوعي الهدّام، وأعلن ولائي وإخلاصي لجلالة الملك المفدى ولحكومته الرشيدة».

كما تستعرض المؤلفة هيا صالح رواية «ملكوت طفلة الرَّب» لإبراهيم الكوني التي تسرد مسيرةَ طفلة ما تزال تخطو خطواتها الأولى على الأرض، وهي تروي حكاياتها بلسانها - لسان الصمت - الذي لم يعتَدْ بعدُ لغةَ الناس المحيطين بها «الكبار» كما تسميهم، أو من لهم باعٌ في البقاء على قيد الحياة.