يلقي كتاب (حروب الجمهوريّة القرطاجيّة/ من التأسيس حتى السقوط)، لمؤلفه عبد الله يوسف السليمان، الضوء على جانب من الصراع الطويل والمهمل بين قرطاجة والإغريق والرومان. وقرطاجة بحسب الأسطورة، أُسست من قبل إليسا: Elissa

أو أليسار، وهي ابنة الملك الفينيقي موتو Mutto التي هربت من مدينة صور بعد مقتل زوجها. وبقيت قرطاجة مستعمرة فينيقيّة عادية، ولم يلمع نجمها إلا في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، حيث أصبحت عاصمة مهمة، ثم إمبراطوريّة، وذلك بسبب حصار نبوخذنصر لمدينة صور الذي استمر ثلاث سنوات، ومن ثم خضوعها له، ما دفع برجوازية صور خلال هذه الفترة للهجرة إلى قرطاجة، ومساهمتهم في نهضتها، يُضاف إلى ذلك، موقعها المتميز على ساحل تونس.

أول صدام عسكري بين قرطاجة والإغريق (بحسب الكتاب) كان في السنوات اللاحقة لسنة 580 قبل الميلاد، لكن لم تأخذ الحروب القرطاجيّة – الإغريقيّة، طابع الإبادة العرقيّة أو التهجير، بل كانت صداماً يسعى من خلاله كل طرف لفرض نفوذه السياسي، حتى يتسنى له الحصول على الأسواق التجاريّة، لا سيّما صقلية التي كان سكانها يومها من الإغريق، ثم خضعت لسيطرة قرطاجة ما بين عامي 406-341 قبل الميلاد.

 ما بين عامي 246 و 241 قبل الميلاد، دارت الحرب بين قرطاج وروما وعُرفت بالحرب البونيّة الأولى التي انتهت سنة 241 وقادت إلى معاهدة سلام. وما بين عامي 218 و202 قامت الحرب البونيّة الثانية التي حاول خلالها القائد القرطاجي هانيبال غزو إيطاليا من الجهة الشمالية الغربيّة، عبر جبال الألب، بعد أن أخضع القبائل الأيبيريّة له، لكن كان صعود جبال الألب أشبه بالمستحيل، خاصة مع الفيلة، ووجود الثلج الكثيف، ما اضطره بعد معارك طويلة وعديدة إلى تسليم إسبانيا، والانسحاب من إيطاليا، وفق معاهدة السلام عام 201 ق.م.

خرجت قرطاجة من هذه الحروب منهكة القوى، وكان هانيبال حينها قد بلغ الخامسة والأربعين، ورغم أنه قضى ستا وثلاثين سنة من عمره خارج وطنه، وتسلم مقاليد القيادة منذ كان في الخامسة والعشرين، إلا أن هذه السنين، وتلك الجهود، لم تحنِ قامته، وظل قوياً، مليئاً بالحيويّة والنشاط، وكان يتمتع بالاحترام والتبجيل بين المواطنين