يسبر كتاب «أحوال بلاد المتوسط في عصر العولمة»، لمجموعة من الباحثين الغربيين، مجريات الأحداث التاريخية والعصرية التي عايشتها بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط. ففي التاريخ الطويل الذي يربط بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأدنى، تشير القوى الغربية منذ القرن التاسع عشر إلى البحر الأبيض المتوسط بتعبير: (بحرنا)، على غرار تسمية الرومان له.

أما في مرحلة العولمة النيوليبرالية، فيبقى المتوسط نقطة حيوية على خريطة العالم، خطَّاً للانقسام الاقتصادي بين الشمال والجنوب، وكذلك بين شرق القارة الأوروبية (البلقان) وغربها.

إنّه طريق للمبادلات بين المحيط الأطلسي والشرقين الأوسط والأدنى، كما أنّه يفتح للبلدان التي تقع على شاطئ البحر الأسود منفذاً إلى المحيطات، لكنّه أصبح الدرب الذي ينتهي فيه، في معسكرات الاحتجاز، اليأسُ البشري في أفريقيا السوداء والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. إذ على هذه الشطآن، يتواصل حقّ الشعوب في تقرير مصيرها والغايات الإمبريالية، كما تتواصل أقدم الحروب الساخنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لكن بعد الحرب العالمية الثانية، أدى التضافر بين حركات التحرر والتيارات القومية العربية إلى تعديل المعطيات الجيوسياسية في المنطقة تعديلاً جذرياً، من دون أن تفقد القوى الأساسية، التي تابعت انتهاج سياسة استعمارية جديدة تحت ستار المساعدة والتعاون.

وحسب الكتاب، تشير الوقائع إلى أنّه لن يجري عقد اتفاقات تبادل حرّ شاملة بين دول البحر المتوسط. فبسبب النزاعات التي تقسم المنطقة والتعارضات السياسية بين دول جنوب المتوسط.. والمصالح المتباينة بين القوى الأوروبية، لا يمكن عقد أية اتفاقية شاملة، وستوقّع بلدان الاتحاد الأوروبي اتفاقات منفصلة مع كلّ بلد من بلدان جنوبي المتوسّط على حدة. وبالتالي، لم تصبح الشراكة الأوروبية المتوسطية أكبر منطقة تبادل حرّ في العالم، ولا حوّلت المنطقة اقتصادياً واجتماعياً.

وتنظر الولايات المتحدة إلى الشراكات الأوروبية المتوسطية هذه بوصفها عقبة أمام تحقيق غاياتها في أوروبا والعالم العربي؛ وهذا ما دفع واشنطن إلى تقديم خطتها من أجل «شرق أوسط كبير» في العام 2004، أثناء اجتماع لمجموعة الثماني الكبار.

وبالنسبة إلى البيت الأبيض، يتعلّق الأمر بدمج المنطقة في عملية العولمة وضمان حرّية كاملة لتحرّك رؤوس الأموال والسيطرة على موارد الطاقة في المنطقة، ولا سيّما التحكّم بطرق النفط، وكذلك ضمان التحكم بالموارد المائية، وهو أحد الرهانات الجيوستراتيجية الأساسية في القرن الواحد والعشرين. وتقوم الولايات المتحدة بذلك عبر تطبيق «الاستراتيجية القومية الأمنية الجديدة» المحدّدة في خريف العام 2002.

وضمن شبكة الشراكات التي تربط البلدان المتوسطية بالاتحاد الأوروبي، يضاف «الحوار المتوسطي» الذي يضمُّها إلى حلف الناتو.. والحوار المتوسطي هو إحدى تلك الشراكات، وتشارك فيه موريتانيا والمغرب وتونس ومصر والأردن و.. إسرائيل. وتلتقي هذه البلدان في اجتماعات عسكرية مشتركة مع قيادة الأركان العامة في الحلف الأطلسي، وإحدى العواقب الأولى لهذا الالتزام هي اندماج جيوشها وتسلحها وفق معايير الحلف.

وفي المسائل الأمنية، فإنّ سياسة أوروبا -والغرب عموماً- تتلخّص في أولوية ضمان أمنها، مثلما تشهد على ذلك عملية السعي الحثيث لمكافحة الإرهاب. وهي أكبر عملية عسكرية في المنطقة، وتساهم فيها بلدان الحوار المتوسطي. لكنّ أوروبا لا تقدّم حلّاً للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني أو لمسألة الصحراء الغربية.

وعلى الصعيد الإنساني، تبدو الأمور غائبة تماماً: خلف التصريحات المبدئية الموسومة بالإنسانية، حيث يجري الاجتماع وتمرَّر الاتفاقيات والعقود مع السلطات الكمبرادورية. والسؤال: ما الذي يفعله الاتحاد الأوروبي لإيجاد وفرض حلول عادلة ومنصفة للحروب والمآسي التي تخضع لها شعوب هذه المنطقة منذ أجيال؟ إنّ حقوق الإنسان هي كبرى منسيات سياسات الشراكات.

يشار الى أنه ساهمت في تحرير هذا الكتاب، مجموعة كتَّاب وباحثين، مع تذييل للمفكِّر المصري سمير أمين، وتضم القائمة: نيلز أندرسون، جاكلين بالفيه، لوسيل دوما، كونستان كايماكيس، إليزابيث لونغنيس، حورية ميكريلوف، مارك أوليفييه، باسكال بافي، هنري سان جان، مارســيل سيغوريه، فيرونيك فيلمون.