لا تذهب رواية قصَّاص الأثر، للروائي السوري خليل النعيمي إلى الملحمة وسوريا ميدان حربها، بل آثر عليها الذهاب إلى التخييل الطفولي ليحكي لنا حكاية ما قبل النوم، ولكن بمضمونٍ فلسفي قاس، وهو يستحضر حياةً عنيفةً لزوجين كانت معركتهما خفية. ذلك بعد أن تدمَّرت علاقتهما العاطفية وانتهت بمقتل الزوج بلدغة أفعى.
والنعيمي في هذه الرواية، يثير من جديد موضوع الاغتراب الفلسفي: تضاد، لا تكامل ولا تقاطب. فالزوج في أعماقه النفسية روحه تصطدم بالمادي- الاغتراب الذي يعيشه الإنسان. ثمَّة توتر تضادي بين الرجل والمرأة, في أنَّ الزوج لم يقبل هذه الحياة المادية. ثمَّ كيف سينتصب.. هو صدام العقل مع الغريزة والأهواء- هذا حال الزوج الذي هو ضد الثبات المادي..
لكن الأفعى كما في الأساطير الدينية هي (المرأة). لن تتركه يتحرَّك، وإن تحرَّك فيبقى في ثبات. لذا لا بدَّ من أن تتركه ينهار. أو يبقى في انهيار مستمر. فلدغته أوَّل لدغة حين أبعدته عنها وذهب إلى النهر. ثمَّ كانت اللدغة الثانية من امرأة النهر «حفيدة العنقاء» التي ركبته وعبر بها إلى الضفة الثانية – فاللدغة القاضية من الأفعى.
لكنَّ الزوج حين اختار الآخر «الثعلب»، وهو في طريقه إلى النهر- هنا نهر الخابور شرق سوريا. فهو اختار العقل والمراوغ، لأنَّه كمن يريد أن يؤكِّد أنَّ كلَّ فكرٍ جدلي هو فكرٌ تراجيدي. وأنَّه ذاهب إلى مصيره المأساوي. أخذ اللدغة الأولى – هو مسمومٌ.. سُمَّ حين أُبعد. لكنَّه انطلق نحو الحقيقة الإنسانية.. فالثبات بالنسبة له لا يُطاق.. وهو مقتلةٌ له/ لعقله، لأنَّه يريد أن يفكِّر.
ثمَّ إنَّ إحالة النعيمي الزوج إلى (النهر) فهو إحالة إلى ماء المعرفة المتجدِّدة، لم يدفعه إلى أن يفكِّر تفكيراً إجرامياً أو ملغَّزاً. لقد ابتلع. امتصَّ انفجاره فلم يواجه الزوجة بعنف.. تشرَّب الوضع. وهذا لا يعني أنَّه كان هادئ الأعصاب، بل كان يخزِّن انفجاره، فيما الأفعى كانت تسلمه إلى أفعى. وفي العموم، نستخلص مع سرديات الرواية واحداثها المتزاحمة، أن النعيمي يريد ان يخلص بنا غالى نتائج عديدة، محورها أن الغرب كأنَّه من خلال «الزوج» بطل الرواية -ولم يُسمِّه.. وكذلك الزوجة- يعيش تأزُّماً معرفياً، وحتى لا يفقد بوصلته..
وهو الشرقي فيضرب الزوجة؛ يُعاقبها.. تركها في الفراش ومضى. مضى يبحث عن وجوده فيما هي أرسلته إلى المصير الذي خطَّطت له، لم يُعذِّبها ضميرها. فهي الأفعى لمَّا تدخل النسق المُغلق الذي يضرب القيم، وكل إحساس إنساني. فسلطان البطش هو ما يحرِّكها، بما يخدم نظام الاستهلاك العولمي.
