يتناول كتاب «سوسيولوجيا العنف والإرهاب»، لمؤلفه إبراهيم الحيدري، في خمسة فصول مطوّلة وبشكل موثّق، موضوع الإرهاب وانتشاره في جميع أنحاء العالم، ونتائج هذا الانتشار في العالم العربي، وذلك عبر دراسته من الناحيتين السوسيولوجيّة والسيكولوجيّة.

كما يتناول جذور الفكر السلفي ومنطلقاته «الجهاديّة»، متطرّقاً إلى أهمّ المنظّمات الأصوليّة والإرهابيّة الإسلاميّة الحالية، والتي قاربت الـ18 منظّمة، أبرزها «القاعدة» وآخر تجلّياتها «داعش».

ويتابع بعد ذلك الحديث عن جذور العنف في المجتمع العربي، بدءاً من تعريف لابن خلدون، ليعرّج على «الحركات الثوريّة» التي كانت خرجت على السلطة في الإسلام، كـ«الخوارج» و«الحشاشين» وغيرهما، عارضاً بعض النظريات التي تناولت قضية العنف والإرهاب، وفي مقدّمتها نظريات العقد الاجتماعي، بدءاً من هوبز ولوك، مروراً بماركس وفرويد وابن خلدون، ووصولاً إلى فوكو وهابرماس.

ومن زاوية اعتباره أن التحليل الاجتماعي للعنف والإرهاب أكثر قبولاً، لأنه يفسرهما بكونهما من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تشمل جميع المجتمعات، يرى الحيدري أن العنف عند الإنسان ليس مجرد وسيلة وأداة، بل يتطلّب وجود ظروف وشروط مسبقة، وكذلك حوافز وأسباب لممارسته، بمعنى أن «الإرهابي يكتسب ثقافة العنف وأدواته من المجتمع الذي يفرضها عليه».

أما الإرهاب بحسب تعريف المؤلف، فهو «كلمة تعني الطرائق والأساليب التي تحاول بها جماعة منظّمة، أو فئة أو حزب، تحقيق الأهداف من طريق استخدام العنف والقوة والقسوة وتوجيهها ضد الأشخاص، سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو ممثّلي السلطة ممن يعارضون أهداف الجماعة»،..

مشيراً إلى أن الإرهابي لا يولد بالضرورة إرهابياً، وإنما يصبح كذلك بفعل عوامل بيئية واجتماعية وسياسية ودينية مختلفة، فـ«العنف لا يحدث إلا عندما لا تستجيب المؤسّسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمصالح الإنسان، التي يراها حقوقاً مشروعة له، وعندما لا يستطيع أن يعبّر عن ذاته وآرائه وعقائده بالطريقة التي يراها صحيحة».

وفي المحصّلة، ينقل الحيدري بعضاً من إرشادات علماء الاجتماع للوقوف أمام العنف والإرهاب، ومنها: تحسين طرق التربية والتعليم، تحسين منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية..

ورهبة الخوف من العنف والإرهاب، تنقية الحواضن التي تنمو فيها قوى العنف والإرهاب، إشاعة ثقافة العفو والتسامح، تشجيع مؤسّسات المجتمع المدني المتحرّرة من أيديولوجيا السلطة للقيام بواجبها، وفصل الدين عن الدولة. ويخلص الى القول: «بهذه الخطوات العقلانية الرشيدة، يمكن أن نبني مجتمعاً ديمقراطياً تعدّدياً متسامحاً يخلو من العنف والإرهاب».

نتبين في عموم مباحث الكتاب وفصوله، أن المؤلف لم يغفل أي جانب في دراسته لهذه القضية، مستحضرا تاريخها ومنبشاً في جذورها، ومحاولاً التحليل والتفكيك في بناها وصيغها العصرية، مع الاقتران باهتمامه في دراسة نفسية المتحولين إلى نهج الإرهاب واللاتسامح، وطبيعة العوامل التي دفعتهم الى هذا. ولا يفوت الكاتب تقديم جمل مقترحات ووصفات حلول يضعها امام الحكومات، ويجدها كفيلة في علاج هذه الظاهرة العصرية المؤرقة.