لعلَّ ما صُدر به كتاب «أسلمة المنطق / الأورغانون الأرسطي بين يدي الغزالي»، لمؤلفه عبدالكريم عنيات، برأي ابن رشد بأنَ: «(أبو حامد الغزالي) لم يلزم مذهباً من المذاهب في كتبه، بل هو مع الأشاعرة أشعري، ومع الصوفية متصوِّف ومع الفلاسفة فيلسوف»، هو عين الصواب، حسب ما يبين المؤلف.
غير أنَّ ما يهم في هذا المقام، كما يقول، هو أنَّه يجب علينا الانطلاق من منهج الغزالي الذي كان جذرياً ومنفرداً في منطلقاته.. كما كان فلسفياً ودينياً في غاياته.
ويتساءل المؤلِّف وهو موضوع كتابه: ما هو موقف الغزالي من منطق أرسطو؟ ..وغيرها الكثير من الاسئلة. وعلى رأسها : هل يمكن القبض على موقف الغزالي من المنطق الأرسطي في ظل لا - انتمائه المؤقَّت؟
يشير عنيات إلى كتابين: الأوَّل «أسلمة المعرفة» للدكتور محمد علي أبو ريان الذي توصَّل فيه إلى استنتاج أنَّ العلم الإسلامي الذي يرتبط بقاعدة الإيمان ازدهر في عصور الإسلام الخوالي، وأصبح علماً شمولياً، رغم ارتباطه بقواعد الدين والإيمان الحق.
والكتاب الثاني «مناهج البحث عند مفكري الإسلام» للدكتور طه جابر العلواني الذي أرخ لهذه الحركة القديمة، أي : حركة إسلاميةِ المعرفة عموماً.. بدايةً بالجيل الأوَّل، وهو جيل الفلاسفة الكبار أمثال الغزالي (450 - 505 هـ) وابن تيمية (661 - 727 هـ)..
وكذلك جيل القرن الثامن والتاسع عشر. حيث انَّ التواصل الذي حدث بين الشرق الإسلامي والغرب الوثني- والمسيحي لاحقاً، على مر العصور، ولَّد أزماتٍ فكرية ومعرفية لدى المسلمين، وجعلهم يتباحثون في كيفية العمل والتصرف.
والمنهج الملائم للتوفيق بين الإلهي والإنساني، الذي يُظهر الانفصال بينهما في مستوى الفلسفة والحكمة، وإصرار البعض على الفصل بين الجانبين. لذا كان العمل المناسب هو استرجاع الإبستمولوجي إلى حيِّزه الأصلي وهو القيَم والدين أو ما يسمى بأسلمة المعرفة.
وتعرَّض فكر الغزالي إلى نقدٍ وتجريحٍ وصل حدَّ إحراق كتبه. .وحملة ابن رشد من أشهر الحملات التي عملت على تقويض فكر الغزالي في المغرب كذلك.
والباحث عبدالكريم عنيات يُقر بأنَّ الغزالي بادر إلى عملية مسح الموروث العقائدي والفكري والكلامي الذي كان موجوداً إلى غاية عصره. وانطلق من عقل نـزيه أشبه بالعقل الفلسفي المحض، لأنَّ الفلسفة وحسب التحديد الدقيق ما هي إلاَّ: اتجاهُ العقل اتجاهاً نـزيهاً إلى العالم الذي نحن فيه ونشاهده، لأجل معرفته والعلم به من غير أي غرضٍ أو غايةٍ مبطَّنة.
