يتوغل كتاب/ ديوان «سوريا»، للشاعر سليم بركات، في متاهات الجرح السوري النازف، راثياً فيها ما يسمّيه «البلد المخطوف والمعذّب»، ومستعيناً بقدرة اللغة على ابتكار أشكال جديدة في قراءة اللحظة، وفي إمكانية العثور على مفاتيح مختلفة لولوج العالم الإنساني المفتوح على خراب يتناول: الجسد والروح، الناس والعمارة، التاريخ والحاضر.. الى جانب الذاكرة والراهن. إن (سوريا)/ قصيدة سليم بركات، وكما تتجلى في روحية هذا الديوان، غضب يروي فصول الفجيعة.
وبأسلوبه المعتاد في الحفر عميقاً في اللغة العربية وقدراتها على استنباط المعاني والتعابير، صوغاً وسبكاً، في بعثرة الجمل ومعاودة بنائها، في التقديم والتأخير، في إحلال الأسماء محلّ الصفات والإكثار من استخدام الحال حيلة بلاغية، يبدأ بركات قصيدته بنفي يتضمّن أمراً مقلوباً على سؤال مرفوض أساساً: «لا تسألوني الضَّبْطَ مُتقَناً كالرَّبْط مُتقَناً بعد الآن. الأعالي مُخبَّلةٌ مزَّقتْ صُدْرَتها، والأسافلُ مُخَبَّلة كالأنحاءِ الخَبَلِ لا تُرتَجى بعد الآن. ركبتاي خارتا والسماءُ خارت».
ومن النافذة- الهدم التي يطلّ منها على «سوريا»، والتي هي ذاتها حال البلد الذي لم يكن سوى «كفرٍ ببلد لم يكن بلداً»، يتدفّق بركات سيلاً جارفاً من الغضب، ليرثي وقائع الزلزال السوري رثاءً يمزج التراب بالهواء والخزي بالبطولة والنشوة بالشتيمة، مستنداً الى نداء في مقام نشيد كلّه عصب ولوعة، وبعبارة واحدة مفردة، تبدأ وتدور وتنتهي بـ«أيّها البلد»، وتستعاد مراراً في ختام كل مقطع من مقاطع قصيدته..وموغلاً في استيحاء ما يسمّيه «آداب القتلى»، فـ«الذبح ينجز عبوره من السهل إلى الجبل»، وكأنه «مأدبة لا ينصرف عنها داخل إلا متخماً»، يتدفّق بركات سيلاً جارفاً من الغضب، يتجدّد فيه هذا التوق لقول الفجيعة، لابتلاع المأساة والتماهي مع عذابات الضحايا، للثأر لهم ببلاغة الصرخة ومداها الشاسع، فيكتب: «خُذها الحرب الناعسة طولاً. خذ يد الشجاع المنكوب بظلم سلاحه، أيها البلد...أيها البلد.
الذهب المنحور. الغيوم المنحورة، أيها البلد. محاكاة الطرق للمذابح، محاكاة القتلى للقتلى، والموتى للموت، والبساتين المهجورة للبساتين المهجورة. محاكاة الدوي المذهل للشكران يرفعه العدم مضطرباً في التوضيح، أيها البلد».
