يتناول كتاب «رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده»، لمؤلفه عثمان أمين، سيرة حياة وعطاء رجل فكر ودين مستنير، ترك بصمات مهمة في أمتنا، وذلك بما قدمه من آراء منفتحة ابتعدت عن أية شوائب، واختارت الانتصار إلى الإسلام بقيمته الجوهرية الحق.

ويوضح مؤلف الكتاب في محطات استهلال بحثه وتتبعه سيرة الإمام محمد عبده، أن شخصيته فذة تزخر بميزات الأصالة والعمق، إذ انها كانت قد نشأت أولا في دائرة ضيقة هي دائرة الأدب والفلسفة. ولكنه ما لبث أن جاوزها وامتد نشاطه إلى دوائر أوسع، فاتصلت لديه الاهتمامات والاشتغالات في الأحداث الدينية والسياسية والاجتماعية، بشكل نوعي بلغ من بعد مداه حدود أنه ألهب في بعض النفوس مشاعر المحبة والحماسة والإعجاب.. وألهب في بعضها الآخر (المناصر للانغلاق والتشدد) نيران الحقد والعداوة والبغضاء.

كما يشرح مؤلف الكتاب أنه كان للإمام محمد عبده، أصدقاء وتلاميذ.. كما كان له خصوم وأعداء، ولكن لم يتح أو يتوافر له إلا القليل من النقاد وأهل الإنصاف. ولا عجب، حسب ما تصف تفاصيل الكتاب، إذ إنه احد قادة الفكر الذين يهزون الآراء والمعتقدات هزاً عنيفاً، يعسر معه على الناس أن يحكموا عليه منصفين، ومن هنا كانت الصعوبة في عرض آراء هذا المفكر على حقيقتها، وتنقيتها من ما علق بها من تأويلات مشهورة وخلافات لا تزال قائمة.

يخصص مؤلف الكتاب بداية الدراسة/السيرة، «سيرة محمد عبده»، وذلك منذ صباه وشبابه وبداية التحاقه بالأزهر الشريف، ومن ثم علاقته بجمال الدين الأفغاني وسفره إلى كل من باريس وإنجلترا. وأيضا حياته في منفاه خلال الفترة اللاحقة، وعقبها ما احاط بعودته إلى مصر، ثم تقلده عددا من المناصب داخل وطنه وذلك حتى رحيله. ولا يقصر الكتاب حديثه في الشأن، على هذه النقاط، بل يعرج، وبتوسع، على سمات وملامح تفرد شخصية محمد عبده، والتي وصفها الكاتب بكونها شخصية خصبة حافلة متناغمة.

ينتقل أمين في ثاني أبواب كتابه، إلى مفصل ومحك جوهري في حياة ومسيرة ابداع ومواجهات الإمام الراحل. وفي هذا الصدد، وتحت عنوان «فلسفة الأستاذ الإمام»، يرصد المؤلف مجموعة من وجهات النظر التي تبناها الإمام الراحل، بادئاً بحبه للفلسفة، ومن ثم المنطق. كما أن مؤلف الكتاب يشير إلى كون الإمام محمد عبده، ناقداً ومؤسساً لنظريات عديدة تناولت موضوعات متفرعة ومتشعبة، طالت شتى المسائل، ولكن في مقدمها قضايا : الحرية والخير. وينوه أمين بمحور مهم في الخصوص، وهو تركيز الإمام محمد عبده، على فلسفة الاجتماع وتاريخ الدين.

وأما في الباب الثالث ضمن الكتاب: «مذهب الإمام في الإصلاح»، فيؤرخ امين لحقبة زمنية طويلة وحافلة للإمام، موضحا تأثيره في الإصلاح الأخلاقي، وهذا طبعا، بجانب رصد موقفه من جوهر الإسلام وموقفه من الصوفية ومن السياسة. كذلك تفسيره القرآن الكريم، ومحاولاته وأعماله الدؤوبة في مجال الإصلاح والتطوير في الأزهر الشريف.. وأخيراً، يتحدث الكتاب عن موقف الإمام محمد عبده وأفعاله، فيما يخص تعدد الزوجات.

وبالنسبة للباب الرابع، المعنون «أشعة الأستاذ الإمام»، فيدور حول جانب المدارس التي أقامها الإمام وأثرت في الحياة الدينية داخل مصر، وأولها مدرسة الإمام في مصر، وثانيها مدرسة الإمام في العالم الإسلامي.

ويزود مؤلف الكتاب، أبحاثه ودراسته، بشان شخصية الإمام محمد عبده وحياته وآرائه ومواقفه، بمجموعة من المأثورات الخالدة التي وردت على لسان الإمام، إضافة إلى عدد من الوثائق، والتي سبق وأن خطها الإمام محمد عبده بيده.