يشتمل كتاب/ رواية «الصورة الأخيرة في الألبوم»، لمؤلفه الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم، جملة حكايا وقضايا وجماليات منفلتة من ذات شعرية، تقف عند الأمكنة فتصفها بوصف لا أبدع منه، ولا أجمل، وتصف الطرق والدروب والبيوت والقرى والمدن، وتجول فيها مثلما تجول طيور الحمام في صفحات السماء، وتبدي من الوعي الفلسطيني، الحضور الوطني ما يفيض عن حدودها.
تنهض في هذه الرواية شخصيات عدّة، أكثرها من البدو، وتقابلنا شخصية «أمير» الطالب الجامعي الذي حاز شهادة الماجستير في العلوم السياسية، من جامعة القدس، حائر حيرة الزمان والمكان، فلا الشهادة تأخذه إلى ما يأمله ويتوق إليه، ولا أهله يطيقون قعوده دونما عمل، ولهذا فإنّ الحيرة والقلق وضبابية المستقبل، والخوف والأذى، كلّها صارت ندوباً بادية في ذاته، مثلما هي بادية في حواراته وأحاديثه وهواجسه الداخلية، فيضطر إلى العمل في مطعم يهودي في تل أبيب، حيث يعمل ابن قريته «إبراهيم»، وفي المطعم يتعرف على «روتي» الفتاة اليهودية التي ترتاد المطعم مع أسرتها، ووالدها يعمل ضابطاً كبيراً في الجيش الإسرائيلي، وفي أثناء التقديم للطعام يندلق صحن الحساء على الضابط، فيغضب غضباً شديداً وينعت العرب بأنهم لا يجيدون حتى هذا العمل، لأنهم أغبياء وجهلة لا يصلحون لشيء، فما كان من «أمير» إلا أن عاد إلى داخل المطعم، فسحب شهادة «الماجستير» ورماها في صحن الحساء.
يسرع الضابط وزوجته إلى الذهاب، في حين مدّت «روتي» يدها وسحبت الشهادة من صحن الحساء.. وفي اليوم التالي تحضر الابنة وتسأل عن أمير، إذ أعجبها الشاب لأنه صاحب كرامة وموقف، وتود أن تعتذر، لأن والدها أساء إليه، وهي جامعية أيضاً وتدرس الآداب، وتنتهي المقابلة بأن يشرب الاثنان القهوة في المطعم، كما تكون عتبة لمقابلات، والتي تقود الفتاة إلى قرية أمير، فتتعرف على أمّه وأخيه «علي» وصديقه «عبد الرحيم».
عبد الرحيم شخصية تمثل المثقف السياسي، وهو يثقف الناس، يجلس في المقهى طويلاً، يقضي وقته في النقاش والحوار. و«علي» طالب متفوق في الشهادة الثانوية، لكن الجامعات الإسرائيلية ترفض قبوله، وهو يرى أن لا مستقبل له في هذا البلد، فيقرر الذهاب إلى سوريا لدراسة الطب، لكن قوات الجيش الإسرائيلي تضبطه وهو يحاول التسلل عبر الحدود فتقتله، وبذلك تنتهي رحلة البحث عن المستقبل وراء الحدود بخمود جسده وانطفاء روحه. وتنشأ علاقة حبّ بين «أمير» و«روتي»، ولكن الظروف الإسرائيلية والتمييز العنصر ونظرة الاحتقار، تحول دون هذا الحبّ.. ثم إنّ استشهاد «علي» يحول دون مواصلة العلاقة بين الطرفين.
يحدّث «أمير» «روتي» عن أرض فلسطين، البالغة 27 ألف كم2، والتي لم يكن لليهودي فيها سوى ما يقارب الألفي كم2، في حين صار اليهود يمتلكون 26 ألف كم2، بعد 1948، ويحدّثها عن الانشقاقات القومية والطائفية ولمذهبية والعائلية التي تفتعلها السلطات الإسرائيلية، وسياسة التجهيل التي تمارسها.. وعن التمييز.. وغير ذلك.
عندما يقتحم الطلبة اليهود استراحة روتي في المكتبة، يرمونها بالجريدة التي تصوّر والدها وهو يقتل «علي»، ترى صورة والدها، وترى «علي» فتشهق، لأن هذا الفعل الإجرامي سيكون جداراً بينها وبين أمير، تغيب عن الوعي، وتحمل إلى المستشفى. يهرع الأب والأم إلى المستشفى، وهناك تمدّ «روتي» يدها إلى حقيبتها، وتخرج صورتها، وتمدّها إلى الوالد لكي يضعها في ألبومه.

