يجعل النص المسرحي ( أنا المعري..رهين المحابس)، لمؤلفه سمير عدنان المطرود، أبا العلاء المعري، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، وحيداً على خشبة المسرح. فهو السارد، بعد أن كان يقف وراءه ابن القارح في كتابه (رسالة الغفران).
المعري في هذه المسرحيّة (بحسب المؤلف) محرك الأحداث التي كانت تجري بين السارد ابن القارح ومجموعة من الشعراء واللغويين والفقهاء، الذين استدعاهم في عصور متفاوتة في الزمن، من الذين استحقوا البعث في العالم الآخر، لأنهم كانوا يملكون جرأة التعبير والقول، بطريقة إبداعيّة خلاقة، تُنتج المواقف، حيث استحضرهم بأطروحاتهم اللغويّة..
وآرائهم الجداليّة، إلى عالم الجنة والنار، ودفع بهم، ضمن مواقع جديدة في متخيل رسالته، رسالة الغفران، ليؤدوا وظائف جديدة تتحدد من خلال شبكة العلاقات التي افترضها في خياله، فيما بينهم، عبر علاقاتهم بالسارد ابن القارح، فنشأت عن هذه العلاقات حواريّة داخليّة على مستويين: الأول كان بين لغة النص عند المتكلم.
حيث يقود الحوار بغية تدعيم وجهة نظره. والثاني بين الفكر عند المتكلم. يُضيف المؤلف مؤكداً أن شخصيات المسرحيّة تحضر بكلامها، ووجهة نظرها وآرائها التي تُغيّر أحياناً، وجهة نظر السارد ابن القارح، كي تنال الغفران بسبب قول حكيم، أو بلاغة في التعبير، كما تفعل في نظام الحكاية، وفي النهاية كان السرد هو المنتصر.
أما الدكتور حسين جمعة فيشير في تقديمه للمسرحية، إلى اعتمادها الشخصيّة الواحدة (المونودراما) التي تقوم بكل الوظائف والموجبات المسرحيّة، على منصة العرض، من حوار منفرد مع آخر أو آخرين، ومن انتقال من مكان إلى آخر، ومن موضوع وحدث جديدين، ومن زمن إلى زمن. شخصيّة تتبنى المشاهد والحوارات وتُنهيها في دورات مقطعيّة، على شكل دوائر يُفضي بعضها إلى بعضها الآخر، في تصاعد ينتهي بها إلى الخاتمة.
أما سيرة أبي العلاء المعري في المسرحيّة (بحسب الدكتور جمعة) فتتجلى منذ ولادته حتى وفاته، مروراً بمرضه، وفقده لبصره، بسبب مرض الجدري، ودرسه على يديّ والده، ثم طوافه في الأصقاع لكي ينهل العلم على أيدي شيوخه في حلب وبغداد، ومن ثم عودته إلى مسقط رأسه في (معرة النعمان).
يتحدث المعري في المسرحيّة عن علمه وشيوخه وتلامذته، وأفكاره وصغره وعصره والعلوم السائدة، كذلك الظواهر الثقافيّة الجديدة، كالتصوّف والفلسفة ومعاني الإمامة والنبوّة والحكمة والإيمان والكفر والجنة والنار والآخرة والذنب والمغفرة. وحين اعتمدت المسرحيّة شخصيّة واحدة هي شخصية المعري، فإن مؤلفها اضطرها لأن تتحدث بضمير المتكلم وضمير المخاطب
وضمير الغائب، من أجل الحيويّة في صميم أسلوب الالتفات، وفي إطار تداخل الأزمنة وتقاطعها، وأيضا غاية تعدديّة لعبة الأصوات، ولتبدو الشخصيّة الواحدة أكثر من شخصيّة مسرحيّة، فوفّر لعمله الإمتاع والفائدة.
ويُسجّل الدكتور جمعة على المسرحيّة عدة ملاحظات، منها: ضرورة بناء شخصيّة ثانيّة تطوف بالمسرح- ولو على نحو خفي عن شخصيّة المعري، تقوم هي بالتعريف والحديث عن مؤلفاته- عن (الفكر العلائي) لأنه من غير المعقول أن يقول أبو العلاء عن فكره:
كان الأكثر جمالاً من الناحية الفنيّة. وكحلول إخراجيّة يقترح: أن تكون الشخصيّة الثانيّة حاضرة كرأي آخر يُعرّف بأبي العلاء ومؤلفاته، ويصفه ويصف مؤلفاته. كما أن حديث أبي العلاء عن محي الدين بن عربي، ود. طه حسين وعبد الله الغدامي وديكارت والماسونيّة، يحتاج إلى توسيع مقبول: منطقاً وعقلاً.
ولغة الحوار التي ينطق بها المعري في المسرحيّة، ليست مناسبة لكثير من المصطلحات التي أطلقها، ومنها: النسق الثقافي، البناء الثقافي، النسق الشعري، موت النقد الأدبي، الأنساق المضمرة، آلية التلقي، بناء سردي، التفكيكيّة، نصوص مفخخة. وكان من الأحرى استنطاق المعري بلغة وأساليب ومصطلحات تناسب عصره.
المؤلف في سطور
سمير عدنان المطرود، كاتب سوري متخصص في الكتابة المسرحيّة. أمضى سنوات طويلة في حقل العمل المسرحي. ولديه مجموعة من الأعمال الأدبية الأخرى.
الكتاب: أنا المعري (رهين المحابس)
تأليف: سمير عدنان المطرود
الناشر: الهيئة العامة السوريّة للكتاب- دمشق 2014
الصفحات: 112 صفحة
القطع:الصغير

